أدى الانتشار الواسع لفيروس كورونا في العالم بعد ظهوره لأول مرة في مدينة ووهان الصينية، لتغير وجه العالم باعتبار هذا الفيروس لم يطع تحديات أمام أمن الصحة العالمية فحسب، بل يلقي بظلاله على التوقعات الاقتصادية العالمية والتجارة الدولية وحرية التنقل، وأثبت هذا الفيروس هشاشة الاتحاد الأوروبي في مواجهة المشاكل الدولية، حيث بدأت كل دولة باتخاذ الإجراءات الخاصة بها دون مشاورة الدول داخل الاتحاد الأوروبي، وبدأت الاتهامات بين الدول فانتقدت الولايات المتحدة الصين إزاء الانتشار الواسع والقاتل لهذا الفيروس، لعدم قدرتها على احتواء الوباء عند ظهوره؛ ما أدى إلى انتشاره في العالم، مسببًا أزمات اقتصادية وصحية حول العالم.

وبعد اتخاذ كل دولة تدابيرها الوقائية ضد الفيروس وسعي كل دولة على حدة في توفير المستلزمات الطبية. وشكل إغلاق الحدود بين الدول صفعة في وجه الليبرالية، التي تدعو للحرية التجارية وتؤيد سياسة الحدود المفتوحة بين الدول، باعتبارها عاملًا مهمًا في نشر الفيروس، ولما حققه فيروس كورونا من تدمير للاقتصادات العالمية، وأظهر عجز المنظمات الدولية والإقليمية في مواجهة الفيروس.

وبعد هذه الإجراءات التي اتخذتها الدول كل على حدة بدأ المفكرون السياسيون في وضع نظريات لمرحلة ما بعد كورونا، وكما صرح جون ألن رئيس معهد بروكي نفز عن اعتقاده «أن التاريخ كما هو معهود دائمًا سيكتبه المنتصرون». فهل صمود الصين في وجه الفيروس والقدرة على السيطرة عليه سيعطيها دفعة للهيمنة والقيادة والانتقال من نظام أحادي القطبية بقيادة أمريكا إلى نظام ثنائي القطبية بقيادة الصين وأمريكا؟

وهل موقف أمريكا الأناني وأوروبا التي ظهرت أمام هذا الحدث كقوة دولية متراخية وغير متماسكة وضعيفة وعاجزة وغير جادة في مواجهة الجائحة منذ البدايات، بينما ارتفعت الصين من الناحية الدولية وارتقت في مواقفها وقدراتها؟ وهل سيكون النظام الدولي بعد كورونا مثلما كان قبله؟ أم سيشهد تغيرات على مستوى النظام الدولي والعلاقات الدولية؟

للمحللين السياسيين آراء متباينة تجاه التغيرات التي ستطرأ على العلاقات الدولية، فوضعوا ثلاثة نظريات أساسية، فمنهم من يرى استمرار النظام أحادي القطب بقيادة أمريكا، ويبرهنون هذا بقولهم أن أمريكا ولدت عظمى، وستبقى عظمى بفضل نظامها الاقتصادي القوي، وبفضل نمط الحكم الذي تتمتع به أمريكا القابل للتصحيح التلقائي، والذي بفضل هذا النمط استطاعت أمريكا تجاوز الكثير من المنح التي مرت بها من إطلاق الاتحاد السوفيتي للقمر الصناعي الأول سبونتيك، ورغم الدعاية التي توجهها الصين للاتحاد الأوروبي مفادها أنها شريك مسؤول وموثوق، إلا أن الولايات المتحدة لها مزاياها التي تبقيها الدولة المهيمنة والقيادية في العالم، فأمريكا هي أقوى اقتصاد في العالم، وهي الدولة التي تحتل المرتبة الثالثة من حيث المساحة، والمرتبة الثالثة من حيث السكان وما يميزها أنها أمة مشكلة من أمم (كوكبية)، ولديها مقومات مادية وطبيعية، التي بإمكانها المحافظة على مكانة أمريكا بين الدول، وكذلك قدرتها على الدخول في سباق الدول التي تستطيع إنتاج اللقاح الخاص بكورونا. من الجدير بذكر أن امتلاك أمريكا وتبنيها للنظام الديمقراطي الليبرالي الجذاب يحول دون تقدم أية دولة عليها لكثرة من يرون أن هذا النظام هو أملهم للوصول لطموحهم لما فيه من جاذبية وتسهيلات لإرادتهم.

والرأي الثاني هو ظهور نظام ثنائي القطبية بقيادة الصين وأمريكا، باعتبار الولايات المتحدة قوة عظمى والصين قوة صاعدة، وخصوصًا أن الصين تتباهى بقدرتها على كبح الفيروس والسيطرة عليه، وبدأت تقدم مساعدات طبية للعديد من الدول، ومن المعروف أن الصين تسعى لأخذ مكانة سياسية في العالم بمساعدة اقتصادها العملاق في العالم، وبسبب الحرب الاقتصادية القائمة بين الطرفين التي لا يستطيع أحد أن ينكر أن الصين أثبتت نفسها في مجال الصناعات المختلفة، وباعتبار أن أزمة كورونا هي أخطر الأزمات التي واجهت النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية(1939-1945)، إضافةً لتحور هذا الفيروس وظهور سلالات جديدة؛ مما يدخل الدول في صراعات مستمرة لإيجاد اللقاحات المناسبة، فهؤلاء المحللون يرون أن أزمة كورونا كشفت عن نية الصين لتصبح قوة عظمة، وأظهرت التحدي بين الدولتين لإثبات الذات خلال هذه الفترة الحرجة التي تمر على العالم بأسره، من خلال تقديم المساعدات والشورى لدول محدودة الدخل والخبرات، وإرسال الوفود الطبية لدول المختلفة لتقديم الاستشارة الطبية، ويرى أصحاب هذا الرأي أن سمة هذا النظام الجديد ستكون المرونة؛ مما سيسمح لدول أخرى بإثبات نفسها في النظام الدولي كالاتحاد السوفيتي والاتحاد الدولي، التي ستحاول أن يكون لها دور فعال في النظام الدولي، هي والعديد حتى من الدول الإقليمية، مثل تركيا التي أثبتت نفسها في تحدي الفيروس والسيطرة عليه، خصوصًا أنها تمثل دولة ناجحة في الصعود الاقتصادي المستمر.

والرأي الثالث وهو التضامن والتعاون الدولي بظل نظام متعدد الأقطاب، هؤلاء المحللون يرون أن الامتيازات التي راكمتها الولايات المتحدة ستبقيها هي الدولة الأقوى بين الدول، ولكن ليس كما كانت قبل كورونا، وحتى لو سيطرت أمريكا على زمام الأمور سيكون نظامها هشًا، وسيكون للصين ولروسيا دور في هذا النظام، وخصوصًا في السياسة والاقتصاد، ولكن هذا الأمر يشترط على هذه الدول أن تترك النزاعات التي بينها جانبًا، لإعادة إعمار الخسائر التي سببتها جائحة كورونا وخصوصًا الإنسانية والاقتصادية منها، فكورونا تسببت بمآس اقتصادية في الدول النامية ودول العالم الثالث فهذه الدول كثرة بها البطالة، وازداد الركود الاقتصادي الذي يحتاج لترميم بعد جائحة كورونا، ولأن أزمة كورونا كانت عالمية فلابد عن تقديم بعض التنازلات من الدول لتحقيق هذا التعاون.

من خلال ما سبق ومراقبتنا لفيروس كورونا وظهور تحورات جديدة من الفيروس ونشوء ستة سلالات جديدة منه، وهي: ألفا. (B.1.1.7)، بيتا (B.1.351)، جاما (P.1)، إبسيلون (B.1.427)، إبسيلون (B.1.429)، دلتا (B.1.617.2)، وهذا ما يجعل دول العالم تواجه أكبر تحد لها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعجز الدول عن مجاراته؛ مما أدى لوضع الدول في مأزق ودخولها في حروب باردة محورها إنتاج اللقاحات المناسبة لهذه التحورات لإنقاذ العالم من هذه الجائحة خصوصًا بعد إثبات الخبراء ضعف فاعلية لقاح كورونا أمام هذه التحورات، وعلى رأس هذه الدول الصين وأمريكا صاحبتي أكبر اقتصادين في العالم الأول والثاني، لدينا أمريكا الدولة التي تحتاج لتثبيت فاعلية دورها ومكانتها في النظام الدولي أحادي القطبية الذي تترأسه منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، في وجه الصين التي لا تخفي طموحها في مشاركة أمريكا في قيادة النظام الدولي رغم معرفتها لحاجتها لعقود من الزمن لتحقيق مبتغاها، فالصين وأمريكا هما رأس الحربة في هذه الحرب الباردة التي تحمل في طياتها مصير الكثير من سكان العالم الاقتصادي والصحي، على الرغم من وجود دول إضافية في هذه الحرب الباردة، مثل الهند التي لا تحمل فقط مسؤولية إنتاج اللقاح، بل توزيعه على كافة سكان العالم لضمان مستقبلها ونفوذها في هذه الدول. ومن خلال ما سبق ذكره نستطيع إدراك التساؤلات التالية: هل سنشهد تغيرًا مفاجئًا في شكل النظام الدولي كما حدث عام 1991؟

ما مصير الليبرالية إذا استمرت جائحة كورونا بتمحور؟ ما مصير العالم الثالث ذي الاقتصاد والنظام الصحي الهش، والمتهالك من قبل هذه الجائحة؟ هذه عدة تساؤلات من بين التساؤلات الكثيرة التي لا نستطيع إعطاء إجابة عنها، إلا بعد خروج العالم من هذه الجائحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد