فجأة ودون سابق إنذار؛ دبّ الخوف والهلع في قلوب الملايين عبر العالم، تداعيات وأزمات متتالية، وأخبار وإحصائياتٌ متشائمة، فعاليات تُلغى، وبطولات رياضية توقفت، مدارس وجامعات مُعطلة، ودولٌ أوصدت أبوابها أمام الجميع، وأخرى تُسابق الزمن لاحتواء الموقف، اقتصادات على حافة الانهيار، وبورصات تتهاوى، وأسعار عالمية تشهد هبوطًا مدويًا، تجار دينٍ يهللون بغضب من الله على الكافرين، تحولت صيحات انتشائهم بنصر الله المزعوم إلى حسرةٍ عندما فرغت كعبة الله من عباد الله، وما بين نظرية المؤامرة التي تطفو على السطح مجددًا، والوهم الذي لطخ واقعنا كالعادة؛ بتنا نعيش أحداث رواية رعبٍ، أو فيلمًا من نسج الخيال، بطله الذي نشر الخوف في مشارق الأرض ومغاربها هو «فيروس «كورونا»»!

كنت أشاهد إحدى مباريات كرة القدم، وكعادته معلق المباراة يتحدث عن أجواء المباراة واللاعبين وما إلى ذلك، ثم استرسل في كلامه وبدأ بالحديث عن فيروس «كورونا»، وافتتح حديثه بوصف الفيروس بأنه يغزو الكرة الأرضية، ويشل الحياة، ويعطل المناسبات الرياضية حول العالم، فأصابني هذا الوصف بشيءٍ من الرهبة، تشعر وكأنه قاتل شرير يقترب منك شيئًا فشيئًا دون أن تدري، وكأن العالم بأسره ينزف، ولا يجد من يطببه، فقلت في نفسي لو أن معلق المباراة لم يستخدم هذه الأوصاف المرعبة نوعًا ما، إذ يتابعه الملايين حول العالم، وكان خيرًا من ذلك أن يهون على متابعيه، ويثبت أفئدتهم، وإن كنا نرفض التهويل فلا بد من التحذير، ولا بأس أن تكون كرة القدم منصة لذلك.

ولم يقف الأمر عند مستوى كرة القدم، بل انتقل الميكروفون هذه المرة من أمام أفواه معلقي المباريات إلى منصات النخب السياسية، فخرج علينا معظم قادة الدول بمؤتمرات وتصريحات تخص الفيروس وما آلت إليه أوضاع بلدانهم على إثر انتشاره، ولكن الخطاب الأغرب من بين جميع قادة العالم جاء على لسان رئيس الوزراء البريطاني، والذي أرعب بريطانيا بأكملها من خلال جملة واحدة «استعدوا لفراق أحبتكم»! حيث وضع شعبه أمام الحقيقة المرة، وبمنتهى الصراحة أكد أن أعداد المصابين أكبر من تلك التي تم الإعلان عنها، وأن هذه هي الأزمة الصحية الأخطر التي تمر على بلاده منذ عقود! بينما على الجانب المقابل تُخفي عدد من الدول العربية الحقائق عن مواطنيها، بل يتم التعامل مع الأمر بمنتهى السخف والفكاهة ودون المستوى المطلوب.

ولعل التوجيهات والنصائح بكيفية التعامل مع هذا المرض والوقاية منه باتت معروفة، بل وتحفظونها ولا داعي لذكرها، ولكن بعد أن أصبح هذا المرض وباءً عالميًا؛ لم يعد هناك مجالٌ للمزاح والتكاسل، بل يقع على عاتق الجميع الوقوف بحزمٍ أمام هذا التحدي، بدءًا من منظمة الصحة العالمية وانتهاءً بالمواطنين، حيث يجب علينا جميعًا التقيد بالتعليمات، وأخذ الحيطة قبل فوات الأوان، خاصة من تصيبه الشكوك بإصابته عليه التعامل مع الإصابة بجدية، والالتزام بتوجيهات الطواقم الطبية، وهذا من باب الضرورة وليس التخيير، حيث إن هذا الفيروس سريع الانتشار، وإن لم يكن خطرًا عليك؛ فأنت في هذه الحالة ناقلٌ له قد تصيب به غيرك، وقد تسبب وفاته إن لم يسعفه جهازه المناعي، فلا تشترك في جريمةٍ أنت في غنىً عنها.

من جانب آخر: فإن الالتزام بالتوجيهات الصحية فيما يخص منع التجمعات مثل المباريات، والفعاليات، والجامعات أصبح واجبًا وطنيًا خاصةً في البلدان التي تعد بؤرًا للفيروس، فالصحة هي رأس المال، ولا يوجد شيءٌ أغلى من النفس البشرية، فلا بأس أن تتعطل الحياة مؤقتًا، وأن نتخلى عن المتعة قليلًا لأجل هدف أسمى، وبالعودة إلى كرة القدم، يرد المدير الفني لنادي ولفرهامبتون الإنجليزي على الذين يتذمرون من إيقاف الأنشطة الرياضية بقوله: هناك أناس يموتون ونحن نلعب كرة القدم، يا له من أمر سخيف حقًا!

لا شك أن الأحداث في جميع أرجاء العالم باتت متسارعة؛ ولكن هذا الفيروس ليس التحدي الأول الذي تواجهه البشرية، ولن يكون الأخير، هو ليس القاتل الفتاك، وليس أيضًا شيئًا يُستهان به، هذا التهديد الذي يطال البشر لا بُد أن يُهزم كما هُزم غيره، وسيكون درسًا لنا جميعًا، كل ما علينا الآن هو الثبات في مواجهته، وأن نبشر الآخرين بدلًا عن أن ننشر الخوف بينهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد