فيروس كورونا المستجد، أكبر موضوع يشغل الرأي العام العالمي، وذلك خلال الأشهر القليلة الماضية، لم تذكر البشرية موضوعًا وحَّدها كما وحَّدها هذا الوباء حسب رأيي على الأقل. اتفقت التقارير الرسمية والإعلامية على تسميته بـ«الجائحة»، وصار حديث الكبير والصغير، المتعلم والجاهل، المتخصص وغير المتخصص، وكل شخص تقريبًا ضاقت أو اتسعت دائرة معارفه أو ثقافته.

ولعل سبب ذلك كله خصائص هذا الفيروس وعدوانيته المفرطة، والتي لم يسبق لأغلب سكان العالم الآن أن عايشها.
فالفيروس رغم اتفاق المجتمع العلمي على أنه من أضعف الفيروسات المعروفة لكونه لا يتسبب في وفاة سوى 5% ممن يصيبهم، فإن قدرته على البقاء فوق الأسطح والأشياء، وكذا تنقله عبر الهواء في دائرة لا تقل على أربعة أمتار، واتساع دائرة انتقال العدوى، إذ إن كل حامل له يمكنه أن يتسبب في نقل المرض إلى مجموعة من الأشخاص قد يصل إلى 406 أفراد خلال 30 يومًا إذا ما حافظ الشخص المصاب على نمط حياته الاعتيادي نفسه. كل هذا وغيره يسهل وصوله وبسرعة إلى شريحة واسعة من الناس، ومن ثم إلى المرضى الذين يمكن أن يسبب لهم مضاعفات قد تودي بحياتهم. ونخص بالذكر هنا، مرضى القلب والشرايين وكذا داء السكري وأصحاب الأمراض التنفسية المزمنة والضغط الدموي والسرطان. ويعد هؤلاء الأكثر قابلية لفتك الفيروس؛ لأنه بكل بساطة، وحسب خصائصه الجينية، فهو متخصص بإيذاء الرئتين، واللتين تعدان حلقة الوصل ما بين الجسد وأكسجين الهواء المحيط به، فإذا تعطل هذا العضو تعطل باقي الجسم. أما مرضى القلب فيعدون أيضًا عرضة للفتك؛ لأنه وإذا لم يتم توصيل الكم الكافي من الأكسجين إلى الدم من أجل ضخه إلى باقي الأعضاء فإن الجسد يعاني من نقص التأكسج، الذي يؤدي بدوره إلى مضاعفات عدة:

  • قصور في عمل القلب
  • السكتة الدماغية
  • تلف الدماغ الدائم
  • الغيبوبة

الشيء الذي قد يرهق كثيرًا أصحاب هذا المرض، ويتسبب في وفاتهم. وإذا ما وصل هذا المرض إلى هؤلاء فإن التطبيب بالأدوية المعتادة يصبح غير كاف. ويستدعي استشفاؤهم في هذه الحالة إيداعهم في وحدات العناية المركزة لمساعدتهم على التنفس باستخدام الأجهزة المعدة لذلك.

وبما أن وحدات العناية المركزة تبقى محدودة في جميع أنحاء العالم، مما يشكل عقبة كبيرة للفرق الطبية أثناء عملية إنقاذ حياة هؤلاء المصابين، فإن خوف أكثر الناس وكذا استنفار جميع الحكومات يصبح مفهومًا، فلا أحد يقبل على الإطلاق وفاة الآلاف من غير حرب معلنة أو عدو معروف.

وهنا يطرح السؤال: كيف يمكن التصدي لهذا المشكل للحيلولة دون وقوع الكارثة؟

رأي الخبراء

يعتقد الخبراء، وفي ظل غياب علاج ناجع للفيروس، أن الحجر الصحي، والتباعد الاجتماعي، يظلان أهم الوسائل الدفاعية في مواجهة انتشار هذا الوباء. ففي دراسة أجراها فريق من الباحثين الإنجليز، بالمعهد الملكي بلندن، حول تبعات عدم التدخل الطبي والرعاية الصحية لمواجهة مرض كوفيد-19، وُجد أن أكثر السيناريوهات كارثية هو بكل بساطة، ذلك الذي سيكون نتيجة عدم التدخل، لكنه وفي الوقت نفسه سيمكن من تخطي الأزمة في أقرب وقت ممكن. ثم يليها نجاعة غلق المدارس والجامعات. ثم يأتي في المركز الثالث عزل الحالات الايجابية أي تلك التي تأكد حملها للفيروس. وتستمر نتائج المحاكاة في التحسن إذا ما عُزلت الحالات الإيجابية، وفُرض الحجر الصحي على مجموع الساكنين. لكن الحل الأمثل لتفادي وقوع كارثة بشرية هو الجمع بين كل ما سبق؛ إذ تعزل الحالات الإيجابية، ويفرض الحجر الصحي، وكذا يطبق التباعد الاجتماعي، خصوصًا على الفئات العمرية التي تجاوزت عتبة السبعين. وللأسف، وحسب الدراسة نفسها، فإن هذا كله لن يحول دون اكتظاظ المرافق الصحية، وعدم كفايتها لاستقبال واستشفاء الحالات الحرجة. هذا طبعًا في بريطانيا، ذات السمعة الطيبة في قطاع الصحة. ولنا أن نتخيل فداحة الوضع في غيرها من الدول ممن دونها.

رسم تبياني يبين أثر مختلف استراتيجيات العزل الصحي (محاكاة تخص الواقع البريطاني) – المصدر: المعهد الملكي بلندن

الاقتصاد والسياسة

إلا أن هذا الحل بات من أكثر النقاط جدلية بين أوساط الاقتصاديين والسياسيين. إذ من أجل نجاح خطة الحجر الصحي كان واجبًا على الحكومات فرض إجراءات صارمة تحد من تنقل المواطنين وتجمعاتهم. الشيء الذي أثر سلبًا في السوق الاستهلاكية، وكذا في إنتاجية مختلف القطاعات. مما أدى، في كثير من البلدان، إلى إجراءات مقابلة من طرف أصحاب المال والأعمال، كان أهمها تسريح العديد من الموظفين والعمال، أو توقيفهم مؤقتًا في إجازة غير مدفوعة الأجر تفاديًا لتوقيفهم نهائيًّا. كما لا يجب أن ننسى من يكسبون قوتهم من العمل في قطاعات غير مهيكلة من باعة متجولين، وأصحاب الحرف والورش، وصغار التجار، وناقلي البضائع وغيرهم، خصوصًا في عالمنا العربي. وضع اجتماعي ستكون له تبعات على اقتصاديات الدول خلال هذا العام، خصوصًا وان لا أحد يعرف متى سيتم إنهاء الحجر الصحي لتعود الحياة إلى طبيعتها كما كانت من قبل، وتتحرك معها عجلة الاقتصاد.

في المقابل، نجد فصيلًا آخر يرى عدم وجوب عزل جميع المواطنين في منازلهم، ولكن ترك مجموعة منهم تتنقل بحرية كما كانت من قبل، مع الأخذ بعين الاعتبار بجميع أسباب السلامة، وذلك لأهداف ثلاثة:

  • أولا، حتى لا تتوقف القطاعات الحيوية، خصوصًا قطاع الصحة والخدمات، وكذا مختلف المرافق العمومية، التي لا يمكن أن تستغني الدول عنها.
  • وثانيًا، حتى لا تُشل الحركة الاقتصادية، وتُلقي هذه الوضعية بظلالها على اقتصاد الدولة ككل.
  • وثالثًا، وهو الأهم، حتى تتمكن الدولة من تمنيع غالبية مواطنيها في أقصر الآجال. إذ إنه إذا مُنع اختلاط الناس بعضهم ببعض، فلن يكون من الممكن تمنيعهم، على الأقل ليس قبل الانتهاء من تطوير لقاح للفيروس.

وحسب دراسة أخرى، ونظريًّا، فإنه يمكن أن يطور جميع الناس (الناجون من فتك الوباء)، مناعة ضد الفيروس، وذلك حسب ثلاث فئات:

  • 80% من السكان لم تظهر عليهم أية أعراض، أو بأعراض خفيفة إلى متوسطة، وقادرين على نقل العدوى خلال 14 يومًا الأولى من اتصالهم بالفيروس، ثم يكتسبون مناعة ضده.
  • 14% من السكان مع أعراض مرضية خطيرة وقادرين على نقل العدوى خلال 21 يومًا الأولى من اتصالهم بالفيروس، قد تستدعي حالتهم الاستشفاء، إلا أن ذلك لن يكون ضروريًّا إلا بعد مرور 9 أيام.
  • 6% من السكان مع أعراض جانبية خطيرة جدًّا تستدعي وضعهم في العناية المركزة، وقادرين على نقل العدوى خلال 25 يومًا الأولى من اتصالهم بالفيروس، ونصفهم قد يتوفون.

النتيجة:

أن 80% من الناس سيصابون بالفيروس وسيشفون، ولن يحتاجوا في ذلك إلى استشفاء. في حين أن 20 % عكسهم تمامًا، وجزء مهم منهم سيفارق الحياة.

وهنا يطرح السؤال، أي حكومة ستقدر على تحمل هذا الوضع، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الجانب الأخلاقي للمسألة؟ إذ إن أكثر الفئات قابلية لفتك الفيروس هم المسنون. فالذين يولون الاقتصاد أهمية قصوى، يجدون أنفسهم أمام خيارين صعبين للغاية:

  • أولهما يستدعي تعريض المسنين وشريحة كبيرة من المرضى إلى الهلاك، وهم الذين أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الاقتصاد الذي بدا وكأنه قد تنكر لهم.
  • وثانيهما، قد يجبرون الملايين في أوطانهم على التقشف، وهم الذين ألفوا رغد العيش في ظل مجتمع الاستهلاك. الشيء الذي سيهلك الاستهلاك نفسه. عصب هذا الاقتصاد.

وبين الخيارين، يبقى ثانيهما الأمثل على المدى البعيد، وذلك للاعتبارات الآتية:

  • الحيلولة دون امتلاء المستشفيات.
  • الحصول على الوقت الكافي لمعالجة الحالات المستعجلة.
  • الحفاظ على الأنفس التي من دونها لا وجود للاقتصاد أصلا.

وعليه فإن الحجر الصحي هو حل من لا حل له. لن يمكِّن من القضاء على الفيروس، لكنه على الأقل سيمكِّن من تفادي موجة عنيفة تنفجر فيها أعداد المرضى المحتاجين إلى التطبيب، وفي أسوأ الظروف، المحتاجين إلى العناية المركزة. وهو وضع قد يلقي بظلاله على أجندات الفرقاء السياسيين وترتيباتهم في الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد