إنّ ما أحدثته العولمة بعد الحرب الباردة من تقارب للمكان وتسارع للزّمان، جعل من انتشار الفكرة والسلعة والخدمة، ظواهر عابرة للأوطان تَحُدّ أو تُلغي سيادة الدّولة الوطنية، وقد تؤثر في أمنها، فتفشّي مرض معيّن قد يصير ظاهرة عابرة للدول حين تعجز القدرات المحلّية عن استيعابه والحد من انتشاره، وفي ظل التّعاون الدّولي الذي ما فتئ يتزايد ويتوسّع ليشمل الكثير من المجالات في العقود القليلة الماضية، وضمن ما عرف بنظريات التكامل والاعتماد المتبادل التي كانت الأرضية الصّلبة لقيام الاتّحادات والتكتلات، بما في ذلك من مزايا وعيوب.

تطوُّر فيروس كورونا وانتشاره بصورة سريعة جدًّا، ولخطورته الانتقالية من شخص لآخر عبر الانتشار المباشر أو عن طريق الهواء كالكثير من الفيروسات، وإسقاط هذا السلوك على المستوى الدولي، جعله وباءً دوليًّا عابرًا للأوطان، يتطلَّب جهودًا جماعية حثيثة للحدِّ من انتشاره أو القضاء عليه بالكلّية.

في ظل بيئة معولمة انكمشت فيها سيادة الدولة الوطنية، انتشر فيروس كورونا على نطاق واسع من دولة لأخرى، لتقلُّص الحواجز الرادعة لعبور هذا الوباء، وهنا نطرح الإشكالية:

ما أثر العولمة في انتشار فيروس كورونا كظاهرة عابرة للحدود؟

فيما يلي أٌحاول الإجابة عن هذه الإشكالية:

1 – سلبيات العولمة وأثرها في انتشار الفيروس دوليًّا:

1- وسائل النّقل وسرعة التنقُّل

إنّ ازدهار الصّناعة والتطوّر التكنولوجي والتقني ساهما في زيادة حجم الإنتاج كمًّا ونوعًا، وشساعة شبكات الطُّرق وكثافة خطوط الملاحة الجوية والبحرية، وتطور العلاقات التّجارية الدولية مرورًا باتفاقيات القات ونشْأة منظّمة التجارة العالمية، كل هذا وغيره أثّر بقوة في انتشار الوباء واكتسابه البُعد الدولي العابر للدول والمجتمعات.

في فترة نوفمبر (تشرين الثاني)/  ديسمبر (كانون الأول) 2019 ظهر الوباء في مدينة ووهان ( الصين)، وفي 11 مارس (آذار) 2020 أعلنت المنظمة العالمية للصحة كونه وباء دوليًّا، بعد انتقاله إلى دول أخرى كإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بشكل واسع.

2- الإعلام والحرب النفسية

لعب الإعلام دورًا إيجابيًّا في التعريف بهذا الوباء فور انتشاره في منطقة ووهان، وبدأ التحذير منه، ولكن تناوله فيما بعد بصورة غير علمية مدروسة ضاعف درجات الخوف إلى حد الفوبيا التي تحمل من النتائج العكسية على صحة المواطنين واستقرارهم في شتى دول العالم، مما سبَب في الكثير من الدول أزمات غذائية باقتناء الحد الأقصى من السلع، وأزمات طبية لضعف تجهيز المستشفيات، وأماكن الحجر الصحي، ونقص في مواد التطهير والوقاية التي تم التهافت عليها.

3- التكامل والاعتماد المتبادل

من أهم سمات التكامل تقسيم العمل، وهو أن يقوم تخصُّص في دولة بحكم إمكاناتها لتوفير سلعة في أفضل الشروط كأن يُصنع جهاز طبي لمكافحة مرض معيّن بثمن وجودة يتعذّر على دولة أخرى ذلك، وهنا فيما يخص وباء كورونا المستجد قد تصير عرضة لافتقار تجهيز أو لُقاح محدّد؛ لأنّ دولة معيّنة متخصّصة في ذلك، وتَرى أنّ الأولوية لشعبها، كما حدث مع صربيا المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وانتقد رئيسها (أليكسندر فوتشيتش) منذ أيام تقصير الاتحاد في مساعدة دولته، وأشاد بجمهورية الصين الشعبية.

4- تباين المستويات الحضارية للدول 

ساهمت العولمة في زيادة الهوّة بين الدول الفقيرة والغنية في كل القطاعات، فالاقتصاد المعولم والرقمي زاد دول الشمال تقدُّمًا وتعاونًا، فيما تأثرت دول الجنوب سلبًا، كما ذهب إلى ذلك صامويل هنتغتون صاحب نظرية صدام الحضارات في تقسيمه للدول بمعيار حضاري.

رغم أن عدد المصابين في دول الشمال كبير، فإنّ الاستعدادات الوقائية والعلاجية كبيرة، بينما تفتقد دول الجنوب لتلك الإمكانات؛ مما يزيد في حجم الأزمة إذا ما استمر هذا الوباء في الانتشار بالوتيرة نفسها.

2- الإفرازات الايجابية للعولمة وأثرها في الحد من انتشار الفيروس دوليًّا:

1- التعاون الدولي

بما أن العلاقات بين الدول عمومًا تنقسم لقسمين؛ علاقات صراعيّة، وعلاقات تعاونية، وفي ظل الأزمة الراهنة، فإنه من الجانبين الأخلاقي والبراجماتي أن تتكاتف الجهود الدولية للتقليل من حجم وحدّة المشكلات العالمية، والظواهر السلبية العابرة للحدود، ولا شك أن الخطر أو التهديد للصحة العامة من ضمن الأولويات لدى الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، فمُحاربة فيروس كورونا وقايةً وعلاجًا خير مثال، وخبرة القطاع الصحي الصيني بعد نجاحه في السيطرة على انتشار الوباء سينقل معارفه ونتائج أبحاثه لدول أخرى (الطاقم الطبي الصيني الذي توجّه إلى ايطاليا في 19 مارس 2020 لتقديم العون والخبرات).

2-الإعلام الدولي والوعي الوقائي

إنّ ما تنشره المؤسسات الإعلامية داخل الدول، أو المُوجَّهة للخارج، وكذا المنظمات الدولية الرسمية وغير الرسمية عبر قنواتها الإعلامية في ظل الانفتاح، لها دور إرشادي كبير جسّدته العولمة في التحسيس بالأخطار والتهديدات العابرة للحدود، ومنها الأمراض كخطر قد يقضي على الحياة في مناطق شاسعة، وعلى مجتمعات كاملة.

فيروس كورونا ظاهرة خطيرة أخذت في وسائل الإعلام المحلّية والدولية كثيرًا من الوقت والجهد، فالنشرات الإخبارية والحوارات جلّها تنقل أخبار انتشاره وعدد المصابين.. إلخ، إضافة إلى نشر الوعي الصحي واستراتيجيات مواجهته كوباء خطير، معدٍ وسريع الانتقال، لأخذ الاحتياطات وتنمية التعبئة النفسية لدى الأشخاص والجماعات (طرق ووسائل الوقاية والعلاج…).

3-التكنولوجيا والتطور التقني

ما شهدته الدول من تقدم تكنولوجي وتقني في عصر العولمة ساهم كثيرًا في عبور المعارف والاختراعات والمهارات حدود الدول، وانتشرت بصورة طوعية وغير طوعية، تارة مقابل المال، وتارة كونها وصلت حد الموروث الحضاري في جانبه العلمي والتقني فتقدُّم الأجهزة ساعد كثيرًا في الحد من انتشار الأمراض والوقاية منها جعل مثلًا إمكانية الكشف عن المرض ومسبباته أسهل من ذي قبل، وكذا التدخلات الجراحية في مناطق من الجسم عميقة وخطيرة، وحتى توفير العقاقير والأدوية المعقدة أمر أكثر سهولة.

ضمن هذا السياق صار للتكنولوجيا والتقنية في المجال الطبي سهولة في اجتياز الحدود الدولية، كالأخطار الصحيّة العابرة مثل فيروس كورونا المستجد. هنا نلمس أهميّة التقدم التقني في ظل العولمة وأثره الإيجابي في الحد من انتشار المرض والوقاية منه، وإيجاد حلول كانت مستعصية أو محدودة التنقل قبل عصر العولمة.

ختامًا، للعولمة إفرازات ايجابية في الحد من انتشار الأمراض العابرة للحدود (كورونا المستجد نموذجًا)،  فللتعاون الدولي وانتقال التكنولوجيا والتقنية عبر الدول جعل الحد من انتشاره بصورة نسبية أمرًا ممكنًا، وفي المقابل للعولمة إفرازات سلبية صنعتها وسائلها وأدواتها سهلت عبور الوباء وانتشاره، وجعلت من الصعوبة بمكان السيطرة عليه في إقليم محدود جغرافيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد