كشفت أزمة كورونا عن واقع تدبير الأزمات بالعديد من دول العالم، وأظهرت وجهًا آخر من الفردانية في عقر دار الاتحادات الدولية. ولا زالت تتناسل مع وطأتها أحداث قد تكون متضاربة في أحيان كثيرة، مبرزة جليًا صعوبة تدبير الوضع الراهن بالنسبة للحكومات والمنظمات الدولية على حد سواء. ولعل الأزمة الوبائية جاءت في وقت كان فيه الاقتصاد العالمي مهيأ لاستقبال أزمة جديدة تفوق حدة تلك التي شهدها سنة 2008، حسب توقعات الخبراء، وعلى رأسهم بنك «جي بي مورغان»، الذي حذر من ركود اقتصادي وأزمة عالمية جديدة مع مطلع 2020.

ويُعزى هذا التنبؤ إلى تراجع الطلب على السندات الأمريكية، وانخفاض مستوى الإنتاج الصناعي العالمي في ظل تأثر ثقة المستهلك الأمريكي. كل هذا في خضم صراع مستعر بين عملاقي الاقتصاد العالمي، مما بات يعطي تصورًا في الأفق حول عالم جديد بدون قيادة، أو على الأقل، عالم بخارطة قيادة جديدة. انهار سوق النفط، وتوقف السباق نحو التسلح، وسطع نجم الكمامة عاليا، وباتت المعدات الطبية عملة نادرة ومطلوبة.

وبينما يعاني أقوى اقتصاد في العالم من ركود وتدهور، ووسط خيبة أمل تخيم على أرجاء الاتحاد الأوروبي، تظهر لنا الصين بعباءة المنقذ، صاحبة التجربة الناجحة في تخطي أزمة كوفيد-19، مسيطرة على سوق المستلزمات الطبية، ومحاولة رسم خارطة جديدة للعلاقات الدولية ما بعد كورونا، بشحنات مساعدات موجهة لكل قارات العالم، كُتِب على صناديقها أبيات شعر كلاسيكي «نحن أمواج من نفس البحر، أوراق من نفس الشجرة، أزهار من نفس الحديقة».

المستهلك في فوهة المدفع دائمًا

يكون المستهلك أول من يدفع ثمن الأزمات والحروب الاقتصادية، وهذا ما يقر به أطراف الصراع أنفسهم، حيث يقول «بيتر نافارو» المستشار في الشؤون الاقتصادية للرئيس «دونالد ترامب» في كتابه «لعبة السياسة»: «في النهاية فإن الخاسر الأكبر في اللعبة الحمائية هم المستهلكون». وإذا ما عدنا لتاريخ الأزمات المالية، سنجد أن فقدان ثقة المستهلك بالاقتصاد، من لبناتها الأساس. وقد كان لنا في أزمة كورونا، مثالًا لتجديد الثقة (أو فقدانها)؛ ثقة المواطن بالنظم الاقتصادية والسياسية وبالتدابير المتخذة لمواجهة الجائحة. فالثقة لها قدرة هائلة على إقامة مجتمع قوي، وخلق الرخاء الاقتصادي، كما جاء في كتاب «الثقة» لفرانسيس فوكوياما؛ فإذا كانت المؤسسات المالية هي عضد الاقتصاد، فإن الثقة هي روحه.

مؤشر ثقة الأسر ينخفض وسط إجراءات تدبير الأزمة

بالمغرب، عرف مستوى ثقة الأسر بالفصل الأول من السنة الجارية انخفاضًا، حسب المندوبية السامية للتخطيط، حيث انتقل إلى 75.7 نقطة مقابل 77.8 نقطة تم تسجيلها خلال الفصل السابق، و79.1 نقطة مسجلة خلال نفس الفصل من السنة الفارطة. وهذا الانخفاض يعزى الى استمرار التشاؤم بخصوص توقعات البطالة، وتكلفة المعيشة، خصوصًا مع الظرفية الراهنة، وما شهدته من توقف العديد من الأنشطة الاقتصادية سواء بالقطاع المهيكل أو بالقطاع غير النظامي.

صندوق تدبير الجائحة.. مبادرة ملكية في الوقت المناسب

لعل المملكة المغربية كانت من بين الدول القليلة التي سعت، وحتى قبل تسجيل أول حالة إصابة بالفيروس المستجد، إلى اتخاذ إجراءات احترازية واستباقية، بعضها بدا صعبًا وجريئًا، ولكنها أبانت عن مستوى عال في تدبير المخاطر، وعلى رغبة في تحسين علاقة الدولة بالمواطن، إثر ترجيحها لمصلحة هذا الأخير، ونهجها أسلوبا تواصليا يطبعه التضامن والحس الوطني التشاركي، سواء عبر الإعلام أو من خلال سلطات حفظ على النظام العام. هي تجربة اختبارية يمر منها المغرب، وبات يشار إليها بالبنان، وسط تنويهات دولية، واهتمام إعلامي أوروبي على الخصوص. وقد كانت أهم القرارات المتخذة إبان هذه الأزمة، إنشاء صندوق تدبير جائحة كورونا بمبادرة من عاهل البلاد الملك محمد السادس، والذي بلغت موارده إلى غاية شهر أبريل (نيسان)، أكثر من 3 ملايير دولار، ستوجه بالأساس لدعم ثلاثة حقول محورية: الصحة والاقتصاد والوضعية الاجتماعية.

حيث تم خصيص دعم شهري للأجراء الفاقدين لعملهم بالقطاعات النظامية، بالإضافة إلى أكثر من 4 ملايين أسرة كانت قد عبرت عن حاجتها للدعم بسبب تأثر دخلها بالقطاع الغير مهيكل. ويأتي هذا في إطار السعي إلى تقليص تأثير الأزمة على المشهد الاجتماعي للفئات الهشة. وقد ساهم الصندوق أيضًا في تأهيل البنية التحتية للقطاع الصحي بضخ أجهزة ومعدات طبية بشكل استباقي، وكذا تحسين مستوى الرعاية الطبية بالنسبة للمصابين بالفيروس.

وقد تجلى لنا أيضًا خلال هذه الأزمة، تدخل الملك محمد السادس عبر صفتين، صفة أمير المؤمنين، بإعفائه مكتري المحلات الحبسية، غير الموظفين، من أداء واجبات الكراء طيلة مدة سريان حالة الطوارئ؛ وصفة القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، بإعطائه الأمر للأطر الطبية العسكرية من أجل الالتحاق بالمستشفيات المدنية، وكذا وضع المراكز الطبية المجهزة رهن إشارة المنظومة الصحية للحد من انتشار الفيروس.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى نقطتين مهمتين بخصوص تعزيز ثقة المواطن في هذه الظرفية الصعبة، الأولى تتعلق بإمارة المؤمنين باعتبارها دعامة أساسية للأمن الروحي بالمغرب، والثانية تتمحور حول تسخير الجيش من أجل الدعم والمساندة في التصدي لتداعيات الجائحة، خصوصًا إذا علمنا أن 83.3 بالمائة من المغاربة يثقون بالقوات المسلحة، وتعد هذه النسبة هي الأكبر بين باقي مؤسسات الدولة، حسب دراسة حول مؤشر الثقة وجودة المؤسسات، أنجزها المعهد المغربي لتحليل السياسات خلال سنة 2019.

سياحة متضررة ورهان على الكفاءات الوطنية

في ظل توقف آلاف المقاولات جزئيا أو كليا، نجد أن بعضها قد تمكن من التأقلم وتوجيه الإنتاج حسب متطلبات الوضع الراهن، نحو تصنيع الكمامات والمعقمات والأقنعة الواقية وأجهزة التنفس الصناعي، بكفاءات مغربية، مما سيوفر بعض الدولارات من احتياطي العملة الصعبة. كما تم إحداث لجنة اليقظة الاقتصادية يوم 11 مارس (آذار)، والتي تضم وزير الاقتصاد والمالية، بالإضافة إلى أعضاء من سبع وزارات أخرى، وبنك المغرب، والتجمع المهني للأبناك المغربية، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، واتحاد غرف التجارة والصناعة والخدمات بالمغرب، وجامعة غرف الصناعة التقليدية.

بهدف وضع خطة عمل تمتد إلى غاية متم شهر يونيو (حزيران) لمواجهة انعكاسات أزمة كورونا على الاقتصاد المغربي، وتحديد إجراءات المواكبة، والتي كانت أبرزها اعتماد آليات تمويل ودعم جديدة مع ضمان المرونة في تدبير الضرائب والقروض بالنسبة للمقاولات المتضررة، حيث إن 57% من مجموع المقاولات صرحت أنها أوقفت نشاطها بشكل مؤقت أو دائم، حسب النتائج الرئيسية للبحث الظرفي حول تأثير كوفيد-19 على نشاط المقاولات. ورغم هذا التعثر الاقتصادي فقد صرح 78% من أرباب المقاولات بالمغرب، حسب البحث الأخير الذي قام به مكتب الذكاء الاقتصادي «أوكسفورد بيزنس كروب»، أنهم متفائلون، بل ومتفائلون بشكل كبير حيال الآفاق الاقتصادية بالنسبة للأشهر الاثني عشر المقبلة.

وحسب ذات المصدر، فقد عكف المغرب، خلال السنوات العشر الأخيرة، على تعزيز أسس اقتصاده عبر سلسلة من المبادرات الهامة من قبيل مخطط المغرب الأخضر أو مخطط التسريع الصناعي، وتحسين مناخ الأعمال والاستثمارات، مشيرًا إلى إحراز أوجه تقدم كبيرة.

في إطار آخر، اعتبرت لجنة اليقظة الاقتصادية، أن قطاعي السياحة والنسيج هما الأكثر تضررًا من الأزمة العالمية الحالية، إذ إن الاقتصاد المغربي يعتمد بالأساس على قطاع الخدمات الذي تعتبر فيه السياحة، والنقل، وتكنولوجيا الاتصال والمعلومات الأكبر نسبة من مجموع صادرات البلاد. وقد باتت الحكومة تعول على العرض الداخلي لمواجهة الضرر الكبير الذي تكبده القطاع السياحي، إثر ارتباطه بباقي دول العالم وضعف استقلالية النهوض به.

في حين أن التوجه نحو الرقمنة عرف اهتمامًا كبيرًا خلال هذه الفترة، في رهان على القيادة الأفريقية في هذا المجال. ولعل جائحة كورونا سرّعت من خطة التوجه نحو رقمنة العديد من الخدمات والمعاملات بالمغرب، خصوصًا بالإدارات العمومية والمعاملات الاقتصادية، باعتبار الاقتصاد الرقمي ضرورة العصر، كما أنه لا يستنزف المواد الأولية والعملة الصعبة، واللتان يحتاجهما المغرب أكثر من أي وقت مضى.

استراتيجية فلاحية يرجى بها تعزيز الأمن الغذائي

ثم يأتي بعد ذلك القطاع الأولي، الذي لم يتأثر كثيرًا جراء الأزمة، وسط مستقبل مبهم لحدود الساعة، ومع تفويت فرصة انهيار النفط الأمريكي، والتي كانت ستوفر مليوني متر مكعب على المغرب لولا توقف أكبر مصفاة وطنية. من جهة أخرى، يبدو أن المغرب يجني ثمار استراتيجيته الفلاحية التي امتدت لعقود، منذ بداية تشييد السدود إلى غاية «الجيل الأخضر 2020-2030».

ويظهر أن الدول التي حافظت على الطابع الاستراتيجي للفلاحة، هي اليوم الأكثر أمنا، وليس من المبالغ فيه، أن تؤكد وزارة الفلاحة مرات عديدة، على توفر مخزون كاف من المنتجات الغذائية، وفق استراتيجية تمتد إلى غاية شهر ديسمبر (كانون الأول)، دون تسجيل أي ارتفاع غير اعتيادي في الأسعار، الشيء الذي كان صعبا على العديد من الدول الأوروبية وحتى بالولايات المتحدة. ويبدو أن المغرب لا يسعى إلى تحقيق الأمن الغذائي فحسب، بل أيضًا تعزيز سيادته الغذائية، والفرق شاسع بين المفهومين.

ما بعد كورونا..

يمتلك المغرب موقعًا استراتيجيًا فريدًا، خاصة وأن استقراره السياسي والاقتصادي لا يعتبر رهانًا داخليًا فحسب، بل إنه مرتبط بالأمن الغذائي العالمي من جهة، لاعتباره من أكبر المنتجين للفوسفات بالعالم في ظل تزايد الاعتماد العالمي على الأسمدة، ويشكل قطبا محوريا لاستقرار المنطقة من جهة أخرى. كما أنه في السنوات الأخيرة، وظف هذه الورقة الرابحة بحكمة، وذلك بتنويع شركائه وعدم الاقتصار على الحلفاء التقليديين، دون خسارة بروكسيل وواشنطن.

فبكين عبرت مؤخرًا عن رغبتها في تعويض الاستثمارات المنسحبة، مما جعل أوروبا بين سندان الأزمة الوبائية، ومطرقة الحفاظ على استثماراتها بالمغرب. في حين أن المغرب يحاول برزانة التموقع ضمن الخارطة الجديدة للعلاقات الدولية لما بعد كورونا.

أكيد أن الاقتصاد المغربي يمر بأشهر حاسمة وصعبة للغاية، ولربما تبددت مشاريع وسيناريوهات وردية، في ظل توقعات المندوبية السامية للتخطيط، حول تراجع النمو الاقتصادي المغربي لأدنى مستوياته منذ 20 عامًا بسبب الجفاف والأزمة الوبائية، كما أعلنت وكالة «فيتش» الدولية للتصنيف الائتماني عن تخفيض توقعاتها من «مستقرة» إلى «سلبية» بسبب تداعيات فايروس كورونا المستجد على الاقتصاد الوطني، متوقعة أكبر انكماش في الناتج المحلي الإجمالي منذ 25 سنة.

لا نعلم ماذا قد نخسر بعد، في ظل توقف عجلة الاقتصاد العالمي، خصوصًا أن المغرب يعول على الاستثمارات الأجنبية بنسبة كبيرة، وهي مسألة وجب إعادة النظر فيها بتشجيع الرساميل والاستثمارات الوطنية بغية تعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة. لكن ما يجب علينا حتمًا أن نربحه بعد النجاة من مستنقع هذه الجائحة، هو الخروج بثقة جديدة مكتسبة، نجعل رهاننا القادم هو الحفاظ عليها… ثقة في الاستثمار في الرأسمال البشري، والثقة في قطاعات حيوية حاربت في عز الأزمة، والثقة في البحث العلمي مفتاح التقدم والازدهار، وتعزيز الثقة في كفاءاتنا وأدمغتنا التي أبدعت وتألقت ببلاد المهجر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

تحميل المزيد