لفاحشة التبرج طبيعة خاصة، وفي أيامنا الأخيرة لها خصوصية أشد. أما الطبيعة الخاصة فهي:

1- أنها فاحشة ظاهرة، وقد سمى الله تعالى العري فحشاء، فقال في شأن من طاف بالبيت عاريًا زمن الجاهلية (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء، أتقولون على الله ما لا تعلمون؟).

2- أنها معصية ومخالفة لنص صريح ولتطبيقه في العصر النبوي والراشد، وفي جميع عصور المسلمين التالية.

3- أنها معصية مخالفة للفطرة، فقد جعل الله تعالى التعري عقوبة، فقد جوزي آدم وزوجه بظهور عوراتهما، وسماها تعالى (سَوْأة)، وذكر أنهما جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة ويستتران، عكس ما تفعل الجاهلية المعاصرة من التعري عن قصد والتباهي به!

4- ومع المخالفة فطبيعتها المجاهرة والظهور، والمجاهرة من شأنها أنها تُبعد صاحبها عن المعافاة والعافية، قال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافَى إلا المجاهرون).

5- ومع المخالفة والمجاهرة هناك عنصر الإصرار، إذ إن طبيعتها التكرار؛ خروجًا بعد خروج ويومًا بعد يوم، دون ارتداع ولا خوف ولا توقٍّ من مخالفة أمر رب العالمين، والإصرار بطبيعته يجعل الصغيرة كبيرة، فما بالك بالإصرار على الكبيرة وتكرارها والتفنن بها والسرور من ردة فعل الغير بالإعجاب بها؟!

6- ومع الإصرار هناك عنصر خطر جدًا وهو التأثير في الغير، من النساء الأخريات، بالتقليد والتنافس؛ فمن فعلت المعصية بتأثير أخرى فللمؤثرة وزر مماثل لمن قلدتها؛ فانظر إلى حجم التأثير!

7- وهناك التأثير في الرجال؛ فكل نظرة محرمة نظر إليها رجل فله وزره ولها وزرها، فإن تعددت النظرات ولو بلغت المئات أو الآلاف يوميًا بالسير في الطرقات الممتلئة بهذا الرجس، فلها الوزر، فإن تخطت إلى الشهرة وشوهدت بالملايين فما أثقل ميزان السوء عند ذلك!

8- وهناك التأثير في إضعاف هيبة الدين في نفوس الناس وضعف أثره، فتمر إحداهن على جماعات المصلين وعلى حشود الناس في صلاة الجمعة لا تخشى ولا تستحيي، (إذ إن أباها قد يكون أحد المصلين، والكثير لا يستنكر لأن بناته كذلك)!

وكل ما مضى له آثاره، لكن اليوم ثمة طبيعة خاصة لهذه الجريمة القبيحة بكل المقاييس:

1- أولها أن كل متبرجة مائعة تتراقص اليوم في الطريق فثمة ثمن قد دُفع من أجل تعريها، وهو آلاف من قُتل ومن قُنص من شباب طاهر أو بنات تلّاءات للكتاب قَوامات صوامات، قنصهن فاجر في قلبهن الطاهر، ثمة رؤوس تفجرت وأمعاء اندلعت وأجسام حُرقت من أجل إفساح الطريق أمام السقوط والتعري، ثم فتح الطريق أمام الإباحية، فمن تَسِر اليوم تتبرج فلتعلم أنها تسير على دماء وأجساد وصرخات في الله تعالى بُذلت لإنقاذها، فسبحان ربك!

2- كما أن ثمة ثمنًا دُفع من سجون اكتظت بعشرات الآلاف من أطهر الناس وأزكاهم يعانون كل يوم وكل صباح في اللحظة نفسها التي تتراقص فيها مستهترة مقلِدة، هم الثمن وتعريها هو المثمَن!

3- كما أن ثمنًا باهظًا يدفعه العلماء؛ إما مقتولون أو مسجونون أو مقهورون، ممنوعون من الكلام والوصول إلى الناس، حتى تبقى تلك العارية تملأ الطريق، هي وأمثالها من الأعداد المائجة في طرقات الناس اليوم.

4- ثمة إثمٌ في الالتفاف على أمر الله، فتصبح الملابس الضيقة والبنطلونات المجسمة وما يفصل الأجساد كاملة من رأسها إلى ظفرها ثم تضع تلك التائهة خرقة على رأسها لتعلن أنها (محجبة!)، احتيالًا على أمر الله أو سخرية أو نزقًا ممجوجًا.

5- وما زاد الأمر سوءًا في أيامنا أنه تقليد للأقليات غير المسلمة في بلادنا، والتي تنفر من الحضارة الإسلامية العربية وتنفر من أي سلطان أو ظلٍ أو تذكيرٍ بالشريعة، وتحاول أن تنتمي للحضارة الإباحية الغربية التي لم يأخذوا منها علومًا ولا تكنولوجيا بل فقط التعري، فعندما تقلد من تنتسب إلى الإسلام هؤلاء النافرين المحادين لله ورسوله فتلك مصيبة وحدها.

6- وليس الأمر اختيار الأقليات فقط؛ بل هو اختيار الإباحيين والملاحدة الذين قال أحدهم إنه يقبل على ابنته تمثيل أدوار إباحية لو اختارت ذلك، وقال آخر إنه يقبل على أخته الحمل غير الشرعي لو اختارت ذلك بإرادتها، والذين قالوا سنفرض العلمانية والإباحية بجرعات من الدم والمذابح، ثم قبِلت شياطين الشوارع هذه الجريمة!

7- أن هذا في زمن ضعف للإسلام وأهله، فقبول التراجع واستغلال الموقف موقف شديد السوء في الدنيا وفي تاريخ الناس ويوم لقاء الله.

8- وما يحزن أكثر أنه تقبله المنتقبة والمحجبة على ابنتها التي تبدو كأنها غاوية ومغوية! وهي ترى ما تلبسه ابنتها ويراها أبوها على غيرها مفصلًا ومجسمًا لهم ويعلمون ما عليه بناتهم، وكذا تعلم المرأة جيدًا ما تظهره من نفسها وهي ترى مثل ملبسها على غيرها.

9- وما زاد الأمر ثقلًا وألمًا هو دياثة الآباء المتدينين (زعموا) هذا، فتلك بنات المصلين والملتحين وزاعمي الالتزام! تشبه نفس بنات العلماني والليبرالي والإباحي، وتشبه بنات الجاهل وتربية من لم يتعلم دينه! هو أمر يستحق العجب أن الجميع أخرج نفس المنتج من التربية والملبس والتصرف!

ثمة مصاب عام وانطباع غريب بدأ يقوله البعض وهو أنه قد هان على الناس أمر الأعراض، إلا من رحم ربك.

10- ثم الداهية بعد ذلك أنه قد يتخطى الأمر بالبعض إلى إنكار فرضية الحجاب، وهذا ردة؛ لأنه فرض مقطوع به، أو الإقرار بفرضيته شرعًا ولكن يرفضون سيادة الشرع وحكمه على الناس وهذا رد لأمر الله تعالى.

ما نذكّر به المسلمين اليوم أن هذه الموجات فتنة عامة، والله تعالى يعصمنا منها، وعلى الناس الثبات، فيقينًا ستنكسر تلك الموجات ويظهر هذا الدين، بعقائده وأخلاقه، وبأحكامه وقيمه، وبقوانينه ودستوره، والرابح من ثبت في مثل يومنا هذا، فلن يُنسى له يوم القيامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد