يقول المفكر طارق السويدان: الإنسان لم يتقدم عبر التاريخ إلا من خلال الأزمات، أقول إنه لو شاء لقال: الإنسان لا يعرف معدنه وحقيقته إلا مع الأزمات.

كشفت الأحداث التي مرت بالعالم العربي منذ 2010 وإلى اليوم، الكثير من الذين كنا نعدهم من الأتقياء والطاهرين ومن الدعاة الماهرين المجتهدين ومن العلماء الربانين الورعين، صحيح إن معدن الإنسان يعرف في الشدة، هناك من الذين كنت أرفع الصوت عاليًا دفاعًا عنهم وعن علمهم وأخلاقهم وشجاعتهم ثم حين الأزمة وجدتهم يركبون موجة العافية والتطبيل وتبرير القتل والاستبداد.

كم أتذكر كيف كنت أقرأ لأيام عديدة، كتابًا لمحمد حسان: حقيقة التوحيد، وأجلس بالساعات أتفرج عن أحداث الساعة، وكم كان بارعًا في تصوير الأحداث وربطها بتلك الشجاعة واستحضاره لبطولات الأجيال السابقة.

ثم يوم مجزرة رابعة والنهضة وانقلاب العسكر على الشرعية، يصمت صمت القبور، بل ويبرر فعلهم ويقره، ثم حينما هم البعض بمهاجمة الحجارة في المتحف المصري رأيته وهو يبكي بحرقة، احموا المتحف احموا المتحف، ويفتخر أنه لم ينم ليلتها حراسة للمتحف، آه كم ظننته كبيرًا فكشفته الأزمة ليتقزم صغيرًا.

أتذكر كم كنت سعيدًا حينما حصلت على نسخة لكتاب لا تحزن، لعائض القرني. وكم كان سعيدًا صديقي حينما أهديته نسخة أخرى، لأتفاجأ بوجود نسخة على مكتبي كانت هدية إحداهن لي، كم كان كتابًا جميلًا وكم كنا نظن أن صاحبه عظيمًا، لتأتي الأحداث في الخليج ليطبل للظلم والباطل والاستبداد ويبرر القتل ويقره سكوتًا، وتغريدًا، آه كم كنت أظنه كبيرًا فتكشفه الأزمة ليتقزم صغيرًا.

أتذكر جيدًا كيف كنت أدافع عن العريفي وعن بلاغته وحجته وعن قوة قصصه التاريخية للأبطال الذين وقفوا للاستبداد ورفضوه، أتذكر كم كان شجاعًا في الحديث عن الجهاد في سوريا، ثم تأتي الأزمة لينقلب ويميل كل الميل لما يقوله رئيسه وقائده ولو على حساب مبادئه ودينه، ليفتي في الجهاد هناك ويحرمه هنا ويبرر الاستبداد ويقبله سكوتًا ودفاعًا سرًّا وجهرًا… آه كم كنت أظنه كبيرًا فتكشفه الأزمة لتقزم صغيرًا.

أتذكر وقتها كيف كنت أسعى للحصول على (كاسيت، كاسيطة) للسديس وكم كنت أتمنى الصلاة وراءه، لتأتي الأزمة فيجعل من منبر رسول الله وسيلة للدفاع عن الاستبداد والقتل والظلم والباطل… آه كم كان كبيرا فتكشفه الأزمة ليتقزم صغيرا.

وليختمها واحد من الذين اجتمع الناس على قوة حجته وإسلامه المعتدل وسرعة بديهيته وقبوله لدى الناس، بالتبرير للقتل والتشجيع للاستبداد، وبتشبيه القاتل بخالد بن الوليد، لينقلب مطبلا بعلمه… آه كم كنت يا صالح المغامسي كبيرًا لتنقلب قزمًا مع الأزمة صغيرًا.

وغيرهم غيرهم الكثير، أمثال اضرب في المليان علي جمعة، والذي قال اقتلوهم عن شهداء رابعة وفتوى تحريم الترشح ضد السيسي (رسلان). وغيرهم أمثال: سعد البريك وعلي المالكي… والقائمة تطول.

الأمر ليس بسيطًا كما يظنه البعض، بل هو خطير، ترى ما حال الكثيرين من البسطاء والذين ليس لديهم ثقافة تسمح لهم بالتمييز بين الإسلام حقًّا وبين ما كان يطرحه  هؤلاء الدعاة، خاصة أنهم كانوا بمثابة الرموز الأكثر مصادقية، ثم يحدث انقلابهم  بهذا الشكل،ألن تبعث الوساوس والشك والريبة في عقول  هؤلاء البسطاء، ألن يكون انقلاب أولئك الدعاة 180 درجة دافعًا للبسطاء للابتعاد عن الدين أو حتى الإلحاد.

أنا لا أنكر أنه يوجد من لم تغره المطامع ولم تخفه السيوف من قول الحق والجهر به، وتقريبًا كلهم إما في السجون أو في المهجر أو قد قتلوا، لكن أغلبهم انقلبوا ونكصوا على أعقابهم إما طمعًا أو خوفًا، ولا الطمع ولا الخوف يبرران الوقوف مع الظالم ومساعدته وتبرير فعله، أما كان أن يعتزلوا ويصمتوا من باب اعتزال الفتنه، خيرًا لهم من تبرير القتل والظلم والاستبداد؟

ولا ندري من تكشفه الأزمات القادمة وتعريه وتظهره على حقيقته ليلتحق بركب المطبلين الشياتين المبررين للاستبداد ومظاهره، وقد صدق ابن مسعود حين قال: من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الأحياء لا تؤمن عليهم الفتنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد