درس المؤرخ غوستاف لوبون حضارة العرب منذ بعثة النبي حتى انهيار الخلافة، فكان أهم أسباب النهضة: الدين. وأهم أسباب التخلف: الدين(1).

كيف أصبح الدين عائقًا عن النهضة؟ كيف يتحارب اثنان، كلاهما يستند لنفس الدين؟! كيف يستدل العلماني والداعشي بنفس الدين؟!

اقطع الرأس عن الجسد، ستصبح كل الاتجاهات أمام أو خلف، يمين أو يسار، كما يحلو لك. إن لم تعرف وجهتك، فكل الاتجاهات متشابهة. إذن فالبوصلة/ الوِجهة هي المحكَّمة، بدونها يصبح كل شيء مباحًا. كذلك الدين حين يُسرق من مقاصده، يمكن تأويله في كل اتجاه، فينتج دينًا أعمى، بلا وجهة، مجنونًا، يأمر بالشيء وضده، يمكنه أن يلد داعشي أو علماني، حسب الطلب!

النصوص:

بعد غزوة أُحُد رأى النبي حمزة مشقوقة بطنه، فقال: “والله لآخذن به سبعين من قريش”، فنزل القرآن: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)، وبذلك فقد اتجه القرآن إلى الحد من شهوة الانتقام ليجعل العقاب بالمثل هو سقف لا تتخطاه(2).

وعند عزل هذا القصد، تُفهم الآية كالتالي: يجب أن يزيد عقاب العدو ليصل لمستوى جرمه. وبذلك يتتبع قذارات العدو ويرد بمثلها، الحرق بالحرق، والسب بالسب، حتى تصبح حقير مثله!

جاء الإسلام ليجد تعدد الزوجات شائعًا عند الفرس واليهود والعرب، وبلا حد، حتى أن الملوك كانوا يتزوجون بالمئات، فوضع حدًّا أقصى للتعدد، وهو أربع زوجات. وبذلك إذا أردنا وصفًا دقيقًا لوجهة الإسلام، فإلم تشير، إلى الإكثار أم التقليل؟ نتبين أكثر حين لا نجد نصًّا واحدًا يرغّب في التعدد. وحكم التعدد: مباح، وليس مندوبًا. بذلك يتبين أن وجهة القرآن هي التقليل لا الإكثار.

بدون تحديد هذه الوجهة يتحجج البعض بالدين للتعدد، كأن الإسلام (يدفعه) لذلك! ويقول العامة: “دعا الإسلام إلى التعدد”!، ويوصف من تزوج أربعة بأنه: “طبق الشرع”، و”مشي على السنة”!، وعالميًّا يعتبر التعدد أحد السمات الرئيسية في الإسلام(3).

إذن فلكل نص وجهة يسير إليها، دراسته بدونها، هو دواء أُنتزعت منه المادة الفعالة، فلا تتعجب إن استشهد متحاربان بنص واحد!

السنة:

يقول هو: “لا مجال لحرية الرأي، وأن يقول من شاء ما شاء، فكل قول ينافي الإسلام، يجب مقاومته بالقتل، وكعب بن الأشرف نموذجًا، قال رسول الله:‏ ‏‏”‏من لكعب بن الأشرف؟‏ فإنه آذى الله ورسوله‏”.

كثيرًا ما صرَّح كعب بسبِّ الله، وسبِّ الرسول، وأنشد الأشعار في هجاء الصحابة، وأعراض نساء الصحابة، ولم يألُ جهدًا في تأليب القبائل على المسلمين، وذهب إلى مكة يذكّرهم بقتلى بدر، وعند سؤاله: أدينك أحب أم دين محمد؟ قال: “أنتم أهدى منهم سبيلًا”، مما حثهم زيادة على قتال المسلمين، كما حرض ودبر لقتل النبي. وبذلك كان الشاعر والمفتي والمنظِّر والمدبر لإبادة المسلمين(4).

ارتكب كعب بن الأشرف إذن مجموعة من التجاوزات الأخلاقية، والتحريض على القتل، والمخالفات القانونية لصلح الحديبية؛ فنصت المعاهدة: ألا تُجار قريش ولا تُنصر على المسلمين.

اجتزاء كل هذه الجرائم، وتصور أن النبي قتله لأنه قال قولًا لا يستسيغه، واعتباره دليلًا للحجر على الرأي، هو انتزاع النص من الواقع. وقد عانت السنة كثيرًا من هذه المغالطة، فالاكتفاء بقول النبي دون تحديد الدافع، والمقصد، والنتيجة، يجعلنا نحتكم لمجهول، فمرة يضيّق النبي على غير المسلمين الطريق، ومرة يسمح لهم بالصلاة داخل المسجد، مرة يقتل المرتد، ومرة يتركه، يقتل كعب بن الأشرف ويترك عبد الله بن أبي! ومن هذه المتناقضات يأخذ من شاء ما يريد، ويمكن أن تنشأ من هذه الاجتزاءات ديانات متحاربة!

دور الصحابة:

ما الدليل على أن المصحف الذي بين يديك هو القرآن الذي نزل على النبي، وأن مناسك عباداتك كما فعلها النبي؟ لأن حول النبي رجال أمناء، ثقات نقلوها إلينا.

لذلك لا نتخيل الإسلام بدون هؤلاء الصحابة، لكن لاحظ أن دورهم ورسالتهم هي أمانة النقل عن النبي. تظهر المشكلة عندما يصدر رأي شخصي من أحد الصحابة، عندئذ ينادي البعض بأن نقتصر على تفسير ابن عباس!، وعلى أقوال الصحابة الفقهية ولا نجتهد فيها!، وأن كل أفعالهم صواب!، والكف عن دراسة عهد الفتنة!، ومساواة انتقاد صحابي بسبه!، وأصبح الإسلام مطالبًا بتبرير أفعالهم!، وأصبح وضع الصحابة أنهم ليسوا معصومين، وفي الوقت نفسه لا يخطئون!

جدير بالذكر أن الذي بيده الحل والتحريم هو الله وحده، ولا حتى رسول الله يمكنه التشريع من نفسه، وإنما هو رسول/ مبلِّغ عن الله، ونطيعه لأنه موحى إليه. أما الصحابة، بإجماع أهل الأرض، لا يُوحى إليهم، وليسوا معصومين، فكيف يصبح اجتهادهم مصدرًا للتشريع؟! كيف نقول: بما أن الصحابي يقول كذا، إذن فهذا مراد الله؟!

اتباع الصحابة في غير دورهم، جعلنا ننقل عادات بشرية وليس إرادة إلهية، جعل الدين نسبي، يأخذ كلٌ ما يناسبه، فأصبح لكل دولة دين!

الهوية القاتلة:

تعتبر الهويه أعظم اختراع للتعايش بين الناس، فإن لم تكن من عائلتي، فما يجمعنا هو وطن مشترك، وإن لم تكن من وطني، فيكفي نفس اللغة، وإلا فيكفي أخوة الدين، وإن اختلفنا فعلى الأقل نحن بشر. عند انتزاع هذه الغاية نجد الوسيلة تُستخدم في الاستخدام العكسي؛ فلا نسأل عن المشترك في الهوية لتحقيق غاية التعايش، وإنما نسأل عن المختلف عليه بقصد التخاصم؛ فلا تصاحب هذا الإنسان، العربي، المصري، الجار، لأنه مسيحي! ويتضخم الولاء للوطن أمام الأجنبي! ويشعر المسلم الإنجليزي بانسلاخ عن وطنه لأن أغلب من حوله ليسوا مسلمين! وهل المسلم الماليزي أقرب أم الجار المسيحي؟! هل الانتماء للدين أولى أم الوطن؟!

وبذلك أصبحت الهويات سببًا للقتل، والفرقة، وأصبحت الهوية ليست معبرة عن فكرك قدر أنها محددة لأعدائك، فأنا مسلم، غصب عن الكفار والعلمانيين والملحدين! ومحمد في القلب، وليموتوا بغيظهم!

الولاء والبراء:

جاء الإسلام لينقل الإنسان من ضحل الجاهلية الذي يرسخ مفهوم: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، بمفهوم نصر القريب على المبدأ، فنقل البشر إلى التمسك بالحق/ المبدأ/الخلق الحسن ولو على أولي القربى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ). وبذلك فقد أعلن الإسلام أنه موضوعي وليس شخصي.

ولذلك لم يأخذ موقفًا ثابتًا من الأشخاص، فهو يدور مع الأخلاق أينما وجدت، لذا فقد يمتدح غير المسلم إن أصاب، (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)، كما امتدح النبي كسرى وقال: “وُلدت في زمن الحاكم العادل: كسرى”، وقال عن النجاشي: “فيها حاكم لا يُظلم عنده أحد”.

إلا أن البعض زاغ عن هذا القصد، واعتبر أن الدين الذي يبيح الزواج من الكتابية، ينهى عن حبها! والدين الذي أمر بالعدل والعلم والتسامح، يتقزز من الإعجاب بجيفارا وغاندي وأينشتاين. وغرَّهم نهي القرآن عن الولاء للكافرين، إلا أنهم لم يتوقفوا عند أسباب نزول هذه الآيات ليتبينوا أن كلها آيات نزلت في جماعة ناصروا الكافرين على حساب المسلمين وقت الحرب، فالموالاة هنا أشبه بالخيانة العظمى.

(لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ): “عن ابن عباس نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأصحابه؛ كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك) أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين (فليس من الله في شيء)”(5).

وبذلك نحن أمام دين يعرف وجهته: وهي الموضوع وليس الشخص، فهو يوالي الحق والخير والجمال، مهما كان فاعله، ويبرأ من الباطل والشر، مهما كان فاعله. ودين آخر لا نعرف له وجهة، فيدعو للفعل، لكن إن صدر عن غير مسلم، تبرأ منه!

قولًا واحدًا فاصلًا: دين بلا مقصد/ قبلة، هو دين أعمى، مجنون، يقتل نفسه وأتباعه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

. (حضارة العرب) ص632.
2. (الجامع لأحكام القرآن) ج10، ص182.
3. راجع (البيان لما يشغل الأذهان) ج1، ص44- و(حضـارة العرب) ص397- واستضافة برنامج (بلا حدود) لدكتورة زابينا شفير (رئيسة معهد المسئولية الإعلامية بألمانيا) تاريخ البث: 31/3/2010.
4. (السيرة النبوية لابن هشام) ج1، ص51.
5. (تفسير البغوي) ج2، ص25.
عرض التعليقات
تحميل المزيد