العالم تحكمه وحوش من الزواحف قدمت من الفضاء منذ قرون طويلة، وزعماء أمريكا، وإسرائيل، وأوروبا، ليسو بشرًا، بل من نسل الزواحف يعودون إلى أشكالهم الأصلية أثناء الليل ليمارسوا طقوسهم الشيطانية في قتل الأطفال ومص الدماء، يبدو هذا الكلام جنونًا لا يصدقه عاقل بيد أن لهاته النظرية عبر العالم من يصدقها ويدافع عنها، بل إن بحثًا سريعًا على «يوتيوب» بكلمة زواحف أو سياسيين زواحف بالإنجليزية سيعطي في نتائجه هيلاري كلينتون والملكة إليزابيث وعائلة بوش، بل حتى مارك زوكربيرغ مالك «فيسبوك» أيضًا باعتباره يقود مؤامرة لتكبيل حرية البشر.

يعود أصل هاته النظرية المجنونة إلى سنة 1991 حين صدم الرأي العام الإنجليزي، وهو يشاهد الحارس السابق لفريق ليسر سيتي والمذيع دافيد آيك يعترف في برنامج تيري ووجان على إذاعة «بي بي سي» أنه تلقى وحيًا ونبوءات من عالم خارجي بأن العالم على وشك الانتهاء، وأنه تحكمه وحوش شريرة منذ قرون اتخذت شكل بشر، وأنه الشخص الوحيد القادر على إيقاف الكارثة التي ستحل بالبشر، الاعتراف خلق سخريةً كبيرةً من جمهور البرنامج وانتقاذات لاذعة لراديو بي بي سي على سماحه ببث حلقة أساءت لسمعة محطة إذاعية شهيرة.

https://www.youtube.com/watch?v=S1XP6eGzsSA

اختفى دافيد آيك بعد تلك الواقعة الصادمة ليظهر بنشر كتابه «اهتزازات الحقيقة» الذي حقق مبيعات كبيرة وبسط فيه بعض تفاصيل نظريته الغرائبية المجنونة لينطلق بعد ذلك قلمه ويقدم لقرائه عشرات الكتب حتى سماه مايكل باركون أستاذ العلوم السياسية الأمريكي بأنه أحد أبرع كتاب نظريات المؤامرة في العالم حبكة وفصاحة وسردًا، رغم تحرجه من موقف آيك المعادي للهيمنة اليهودية على العالم؛ ما جعله في خانة الكتاب المعادين للسامية.

في كتابه «السر الأكبر» الذي بيعت منه ملايين النسخ والأقرب لرواية من الخيال العلمي يحكي آيك كيف سمع صوتًا وهو يمشي في الشارع يدعوه إلى الذهاب إلى أحد جبال بيرو ليبدأ كشف حقيقة المؤامرة الفضائية التي تستهدف البشر؛ فالأرض التي نعيش فيها ليست سوى صورة هولوجرامية معكوسة تأتي من القمر الذي هو شاشة العرض التي يتحكم فيها عن بعد من زواحف الفضاء، ونحن البشر لسنا سوى كائنات لا مادية تم استعبادها وبرمجتها في حواسيب لا متناهية الذكاء٬ وستنتهي حرية البشر كلية عندما تختفي الأموال الورقية وتحل محلها الأموال الرقمية حيث إن أدنى عطل أو توقف في الشبكات المعلوماتية يعني الفقر والمجاعة والفوضى.

استمر آيك بعد ذلك في جميع كتاباته ومحاضراته التي غالبًا ما تجلب له التهكم والسخرية في تحذير البشر من استعبادهم وتجريدهم من حريتهم، بل إنه كان من أوائل من اعتبروا أن أحداث 11 سبتمبر (أيلول) هي عمل استخباراتي محكم أشبه ببيرل هاربر ومقتل الأميرة ديانا لم يكن حادثًا، بل يدخل ضمن نفس المخطط الذي بدأ منذ قرون حسب المخطوطات التي يقول آيك إنه وجدها في المكسيك وبيرو والعراق، وكذلك كل الأحداث الإرهابية والحروب هي مخططات محكمة.

وسط هذا الكم الهائل من الجنون في كتابات دافيد آيك قد يجد القارئ العربي نقط ضوء مثيرة؛ فهو يعتبر إسرائيل وعائلات روتشيلد وروكفيلر هم أكبر الوحوش التي تصنع الشرور والمآسي في العالم؛ فهم يتحكمون في كل البنوك والثروات، ويسيرون حكام العالم عن بعد، صور أطفال فلسطين لا تكاد تخلو منها صفحته على فيسبوك، بل إن آيك يعتبر أن نهاية كيان إسرائيل هي بداية تحرر البشرية من المؤامرة وعودتها لحريتها المفقودة!

قد يكون دافيد آيك كاتبًا مجنونًا فعلًا وقد يكون كاتبًا حذقًا وبارعًا استطاع أن يفتن ملايين قرائه عبر العالم بأسلوبه الغرائبي الآسر والأخاذ، وإذا كان أقصر طريق تسلكه المرأة لقلب رجل هو معدته كما يقال فإن دافيد آيك يعطي مثالًا على أن أقصر طريق يسلكه الكاتب إلى قلب القارئ هو الجنون والخيال، فملايين النسخ التي باعها دافيد آيك من كتبه تبين أن الكاتب والقارئ والجنون هي معادلة ممكنة ووصفة نجاح مضمونة إذا وجدت كاتبًا ذكيًا وحذقًا يعرف كيف يبيع جنونه بالملايين.

في تقديري كتابات دافيد آيك هي بالأحرى روايات مشوقة فيها الكثير من الخيال ونظريات المؤامرة، وعلى القارئ أن يتعامل معها بحذر شديد، خصوصًا أن دافيد آيك لا يخفي مشكلته مع الأديان والمعتقدات ومنها الإسلام، الانغماس التام للقارئ في مضامين مؤلفاته قد يهوي به في بعض المطبات، فالأسلوب السردي الأخاذ والآسر الدي يتميز به يجعل البعض يصدق الكثير من خيالات الرجل التي لا يوجد مصدر علمي أو تاريخي لها، وعمومًا يبقى دافيد آيك كاتبًا يعطي وصفة يمكن الاستلهام منها لكل كاتب يتلمس طريق النجاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد