في الصباح، أول ما تفعله، تنظر إليها بدلًا عن نظرك إلي، أبتسم لك، لكنك لا تلحظ ابتسامتي، بل أجدك تبتسم لها، أتكلم معك؛ فترد علي بغمغمة، وتشرع في حوار صامت للحديث معها.

عند الظهيرة، تأتي من العمل؛ فأستقبلك بسعادة بالغة، تنظر إلي ويلوح على وجهك شبح ابتسامة، وتمضي.

في المساء، أشعر أنك مهموم، لست سعيدًا؛ بقلبي أعرف كل شيء، أحاول ان أضحكك، فاحيانًا لا يجد المرء منفذًا للبكاء سوى بالضحك؛ فتبتسم لي، ولا تعرف أن هذه البسمة تكفيني، بل إنها اكثر من كافية لأقتنع أن حياتي سعيدة.

الانسجام والذوبان لم ينيا يومًا إلى دنياى، لم أجفل حينًا عن محياك، قد كنت دومًا الهواء والماء. إني  أعذرك، أنت لم تعد حرًا، أصبحت أسيرًا لها، عقلك أصابه الصدأ؛ لأنها تفكر عنك، وقلبك الحائر أصابته اللامبالاة.

اليوم، كنت مريضة وابتسمت لك، وأنا لا ألاحظ علامات السخط والغضب على وجهك، وذعرت حين رأيتها، سألتك ماذا حدث؟ فأخبرتني أن بها خطبًا ما، وأنك قلق،لم تلحظ اصفرار وجهي، وأن قدمي ترتعشان كي أظل صامدة وأنت تتكلم وتتكلم عنها بلا انقطاع، فصرخت فيك للمرة الأولى في حياتي، واذ بعينيك تتسعان، وتصرخ: أهذا جزائي أن تزوجتك يا ضعيفة العقل؟ لم تستطع دموعي الاختباء، وحين أغمضتها كي لا تفيض فأمطرت، أيقنت أنّي لست أملك مدمعي.

الكلمات جذور، وأغصان، وفراشات وورود..ومصائر لطيفة وكوارث جمة.

نعم إن عقلي ضعيف، قلبي خائف ، وجسدي الضئيل كضالة تفكيري،لكني أستطيع أن أرى الجيد في كل ما هو سيئ، وأعرف الشر حينما أراه، لقد أدركت أن قوتي لم تكمن في رغبتي أن أكون غير ما كنت، بل في قبولي ما كنت عليه.

لقد ولدت وعقلي ضعيف، منذ أن ولدت تتردد هذه الجملة على مسامعي، يقول لي أبي: عزيزتي صحيح أن عقلك ليس ذكيًا، وصغير، لكن لك قلب كبير، وتردد أمي: الجمال هو المهم، صدقيني الناس حولنا يحبون جمال المظاهر ولا يهمهم جمال العقول، وبالفعل هكذا تزوجت.

أمضيت حياتي أنظر عبر النافذة أنتظر، لم أمل يومًا لأنني طورت الأمر إلى الترقب، أصبحت أراقب الاشخاص غادين رائحين، وبعد سنوات استنتجت الآتي:

اعذروا لغتي وتلعثمي، واختلاظ الضمائر لدي.

ما الإنسان إذا ارتبطت حياته بقطعة من المعدن؟ ألا تفهم أن ذلك المعدن هو من يجلب لك تلك الكآبة التي لا تدري لها سببًا، ربما خفف عنك كثيرًا حينما شعرت بالوحدة أو الملل، ومن ثم تطور الأمر إلى حد أن أدمنته.

لكن لقد أصبحت تبتسم لها تلك الشاشة، بدلًا عن تبسمك لمن حولك، لقد سمعت عن تلك القصة: أحد المنتحرين من على جسر.. وجدوﮪ قد كتب قبل انتحارﮪ: سأمشي حتى نهاية الجسر، فإن ابتسم لي أي أحد فـلن أنتحر، ابتسم الناس لهواتفهم وبخلوا بالبسمة عليه وانتحر.

أرى أصدقاء يذهبون للتنزه معًا، ويلتقطون الصور طيلة الوقت، أؤمن أننا حين نلتقط الصور فهذا لنوثق اللحظة، لا لتصبح هي اللحظة، وأرى زوجان في ذلك المطعم، يصوران الطعام ألف صورة قبل أن يقتربا منه، يا إلهي! ما الهدف من ذلك؟ وحينما يشرعان في تناول الطعام لا يظلون ينظرون اإى هواتفهم لا إلى بعضهم.

هواتفكم سهلت إليكم التباعد، يسرت إليكم الفراق، ما عادت للأشياء الملموسة قيمتها، ما عادت توجد العلاقات الحقيقة إلا ما يندر، الزمن يمضي بسرعة مخيفة ونحن جالسون على تلك الأجهزة يصيب عقلنا البلل، لا يتطور بل يتخلف، لا نتعلم، وننسى ننسى بسرعة مخيفة.

أتمنى لكم حقًا من كل قلبي أن تعوا أن الحياة ليست بذلك السوء في العالم، أن لا تتورطوا في استخدام هواتفكم إلى حد  تملككم، أن تنظروا في وجوه بعضكم بابتسامة وتتحدثون وتتصادقون، وكما قيل: تذكر أنه لا يعرف الفشل من له أصدقاء.

اليوم، أنا في الفراش، وأشعر أنني سأغادر هذه الحياة، لكن مالي أرى نظرة هي الندم في عينيك ودمعة تئن في مقلتيك وتهمس لي أنك آسف أنك كنت معي ولست معي، لا تعتذر، أحببتك في كل الأحوال، أراك تنحني بحزن إلي. لا تنحني! لا خجلًا، ولا ذوقًا، ولا لطفًا، هذا العالم لا يأبه بعواطفك، ويدوس على كل من ينحني بلا أدنى رحمة.

أمسكت يديك، وتسلل لخاطرى همسات دستويفسكى حين سطر الآتي: هاأنذا ألقى بمرساتى إليك، لماذا؟ لأننى أركن إليك؛ لأنك الوحيد الذى يمكن أن أفضى إليه بكل شىء، ولأن هذا ضرورى، ولأنه لا غنى لي عنك، ولأننى أسقط من السحب، ولأن غدًا تنتهى الحياة وتبدأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد