رحلة سريعة مع الزَّمن الصَّغير

لو انتقلنا إلى العالم الصَّغير، فإنَّ هناك نُظمًا تُشكِّل الثَّانية بالنسبة إليها زمنًا كبيرا، ولذلك تتعامل مع أزمان أصغر بكثير من الثَّانية.. كالفيمتو مثلًا، وهو جزء من مليون مليار جزء من الثانية.. زمن مرعب لفرط صغره، وهذه أزمان حقيقية تخضع لها مخلوقات ونظم عديدة.. سأضرب أمثلة عملية نستخدم فيها هذا الزَّمن الصغير.. لدينا مسائل لها عددٌ كبير من الحلول رُبما يَصِل إلى مئات أو آلاف الحلول، وكُل حل يحتاج إلى عمليات رياضية معقدة من ضرب وطرح وقسمة ورفع لقوى وجذور وحساب التفاضل والتكامل… إلخ، ونحتاج أيضًا إلى تذكُر كُل حل كي نقوم بالمقارنة بين الحلول، وفي النهاية نأخذ حلًا واحدًا فقط من بين مئات أو آلاف الحلول.. هذه المسائل عندما نحلُّها باستخدام الحاسوب، فإنَّنا سنحصل على الحل الأمثل خلال ثانية زمن أو أكثر بقليل.

قبل سنين طويلة كانت تبقى عدسة أول كاميرا مفتوحة لأكثر من سبع ساعات حتى تلتقط صورة واحدة فقط.. أما اليوم فلدينا كاميرات تلتقط أكثر من 100 مليار صورة خلال ثانية زمن واحدة.. لو طلبت منك أن تقوم بالعد بدءًا من الواحد وصولًا إلى 100 مليار، ولو فرضنا أنك ستنجز في كل ثانية خمسة أعداد.. فسوف تحتاج تقريبًا إلى 630 سنة لكي تنهي عملية العد هذه، فما بالك لو طلبت منك التقاط 100 مليار صورة يدويًا، فسوف تحتاج إلى آلاف مؤلفة من السنين.. ما معنى هذا الكلام؟ أنت عندما تلتقط 100 مليار صورة في الثانية.. معنى ذلك أن الثانية قد أصبحت تمثل دهرًا طويلًا، وهذا هو مفهوم تكبير الزمن.. أي وكأنَّنا وضعنا الثانية داخل مجهر يكبر الزمن بدل الحجم، أو نشرناها ومددناها على محور رياضي، ثمَّ قمنا بدراسة الأحداث العجيبة التي حصلت خلالها.. لو فرضنا أنَّ الله قد أخضعك لهذا الزمن الصغير، وتمت برمجة عقلك على أساس هذا الزمن، فإنك ستصبح كتلك الكاميرا التي تلتقط 100 مليار صورة في ثانية زمن.. أي أن الثانية ستمثل بالنسبة إليك حقبة زمنية.. ستنمو وتكبر وتدخل المدرسة، ثمَّ تتزوج وتنجب الأطفال.. إلى أن تكبر وتشيخ ثمَّ تموت، وكل هذا سيحصل خلال ثانية زمنية واحدة، ولكن هذه الثانية ضمن تركيبة عقلك الجديدة لن تكون ثانية، بل ستكون عبارة عن أيام وشهور وسنين، وستكون ثانية بالنسبة لمخلوقات مستواها أعلى بعض الشيء.. بالضبط كما نشعر الآن بسرعة الثانية الزمنية وتفاهة مقدارها.. وعظم قدرها بالنسبة لغيرنا.

اختلاف الأنظمة الزمنية

إنَّ زَمن الأرض التي نعيش عليها مرتبط بدوران الأرض، ومن هذا الدوران، سواء حول نفسها أو حول الشمس، تتولد السَّاعات والأيام والسنين، وإنَّ السنة على سطح الأرض تُعادل 365 يومًا.. بينما السّنة على سطح عطارد تعادل تقريبًا 88 يومًا من أيامنا، وتبلُغ قيمة السّنة في كوكب الزهرة حوالي 224 يومًا.. بينما اليوم على كوكب الزهرة يعادل 243 يومًا من أيامنا، أي أنَّ اليوم على سطح كوكب الزهرة أطول من سنته، ولكُل نظام حركي زمنه.

الخاص.. من كواكب ومجموعات شمسية ونجوم ومجرات، والله له وجود خارج هذا الزمان لا ينطبق عليه أبدًا.

كيف خلق الله السموات والأرض في ستة أيام قبل وجود الزمن؟

الزمن فعليًا عبارة عن حركة وتغير في المكان أو أي تغير بشكل عام.. تدور الأرض حول نفسها بسرعة تساوي تقريبًا 1674 كيلومتر في السّاعة، أي أنَّها تتحرك بمقدار 465 مترًا في الثانية.. هذه المسافة التي انتقلتها الأرض فسرها دماغنا على أنها ثانية زمن.. أما هي فعليًا عبارة عن مسافة انتقال قدرها 465 مترًا.. بالتالي لا يعني ذلك عدم وجود الزمن قبل خلق السموات والأرض.. طالما هناك تغيرات وحركة فهناك زمن، فأنت عندما تنقل الكرسي من غرفتك إلى الصالون.. هذه النقلة بالنهاية عبارة عن زمن.. كان الكرسي في الغرفة وصار في الصالون.. وكذلك الأمر مع خلق السموات والأرض.. ليس من الضروري أن تكون هذه الستة كأيامنا أو كزمننا.. ربما المقصود بها مراحل معينة من الحركة والتغير.. ومن خلال نسبية الزمن وتعقيد مفهومه يمكننا فهم الأمر بكل بساطة.

وَ إِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون.

تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة.

استحالة أزلية الكون

لقد أثبت العلم حدوث هذا الكون قبل حوالي 14 مليار سنة، ولكن لو أردنا مناقشة هذا الأمر فكريًا لكي ندلل على استحالية أزلية الكون بالمعنى الزماني.. لو كان الكون أزليًا.. فلن يكون هناك وجود لأي مخلوق منا على سطح هذه الأرض.. ولن يكون هناك كواكب ونجوم ومجرات.. وقد يسأل سائل: ولماذا لو كان الكون أزليًا، فلن يكون لنا وجود؟ ما معنى شيء أزلي؟ هو شيء ليس له بداية.. بمعنى مهما عُدت إلى الوراء فلن تصل إلى البداية، ولو عُدت بمقدار 100 مليار سنة إلى الوراء، فلن تصل إلى البداية، وطالما أنَّك لن تصل إلى البداية، فلن يصل الأمر إليك؛ لأنَّنا لم نصل في الأساس إلى بداية الأمر، وأمر ليس له بداية كيف سيصل إليك؟ وسأبسط هذه النقطة قدر الإمكان.. سآخذ المحور الرياضي:

-∞ …….-4 -3 -2 -1.. 0.. 1 2 3 4 ……Million ….. +∞

لو فرضنا أنك تمثل العدد صفر، وعلى يسارك يوجد أربعة أشخاص، وممثلة هنا بالأعداد السالبة، وعلى يمينك يوجد أربعة آخرون.. لو أعطينا الشخص الرابع على يسارك قطعة نقود، وقلنا له: مرر هذه القطعة لزملائك؛ فسيعطيها للثالث، ثم الثاني، ثم الأول؛ حتى تصل إليك، بعد ذلك ستعطيها للأشخاص الواقفين على يمينك حتى تصل للرابع، ولكن لو كانت هذه القطعة موجودة في الأزل (∞-) وأردناها أن تصل إليك؛ فلن تصل إليك؛ لأن الأزل شيء لا يمكننا الوصول إليه مهما عدنا إلى الوراء، وشيء ليس له بداية، فكيف سيصل إليك!

لو أردنا مثلًا أن نصل إلى العدد 10، فيجب أن نبدأ العد بدءًا من العدد واحد حتى نصل إلى 10، ولكن لو لم يكن هناك بداية، فلن نصل إلى العدد 10؛ لعدم وجود نقطة بداية ننطلق منها في العد.. فأنت تريد أن تبدأ العد من اللانهاية، أو الأزل وصولًا إلى العدد 10، ونقطة اللانهاية لن تصل إليها إلى الأبد.. ذلك لكي تبدأ بالعد انطلاقًا منها، فكيف ستصل إلى العدد 10 من شيء أزلي لا بداية له؟ بالتالي لو لم يكن لهذا الكون بداية، فلن يصل الأمر إلينا، ولن يكون لنا وجود، ومنه فإنَّ للكون بداية، وطالما للكون بداية، فلابد من مُبدِئ.. لأنَّ الشيء لا يُوجِد نفسه أو يخلق نفسه.. القول إنَّ شيئًا قد خلق نفسه.. كلام فارغ، فهو لم يكن له وجود، فكيف أوجد نفسه؟ كان معدومًا وموجودًا في نفس الوقت، ثمَّ أحدث نفسه! وهذا محال.. هذا القول يشابه بالضبط أنَّ الرجل هو أب وولد نفس الرجل، ولو كان الله أزليًا بالمعنى الزَّماني، لعدنا إلى نفس المشكلة، ولن يكون لنا وجود، بالتالي الوجود الرباني بالتأكيد غير زماني.. وجود من نوع آخر لا يمكن تصور ماهيته، ولكن باعتقادي أنَّ الله بالمعنى الرياضي يمثل المحور الرياضي كاملًا من -∞ إلى +∞، وله سيطرة كاملة على كامل المحور، بمعنى أنه عند النقطة مليون يستطيع خلق كونٍ، أو وجود ما من نوع معين.. هذا الكون بالنسبة لنا سيكون بعد مليون عام، أما بالنسبة لله.. فهو موجود الآن؛ لأن الله موجود على كامل المحور، وله سيطرة كاملة عليه.. ومنه ضمن هذه السرمدية قد يكون هناك مليارات من العوالم والأكوان، ومن المُمكن أنَّ مليارات من القيامات لمخلوقات أخرى قد قامت.. وقد أشار الله إلى هذا المفهوم بقوله: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم، أي أنه موجود من الأزل إلى الأبد، وله سيطرة كاملة على كل شيء بينهما.

محاولة فهم السرمدية الربانية

لو فرضنا أنَّ الإنسان قد صنع روبوتًا يتمتع بنوع من الإدراك، بشرط أن يكون مجال برمجة الروبوت من الأرقام 20 إلى مليون فقط، فسوف يتأمل هذا الروبوت الغسالات والطائرات وأواني الطعام، ثمَّ يتساءل هل يشبه الإنسان الغسالة.. الطائرة.. هل له محرك أم لا؟ لو حدَّثنا هذا الروبوت عن الأرقام 12، ومليار، فلن يفهمها؛ لأن مجال برمجته يبدأ من الرقم 20، وينتهي بالمليون.. سيقول لك: أنا حدي عند الرقم مليون.. ما معنى مليار؟ ولكن بما أنَّه مبرمج على قيم الأكبر والأصغر؛ فسيفهم أنَّ المليار أكبر من المليون، ولكنه لن يستطيع إدراكها بحواسه.. وبرغم كل ذلك سيتقبلها عقليًا عن طريق التجريد؛ كون حده ينتهي عند المليون، وكذلك أنت الإنسان، لديك بداية ونهاية، لن تدرك معنى الأزلية والأبدية والخلود، ولكن ستفهمها بعقلك عن طريق التجريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد