ظهرت النظرية «تفوق الجنس الآري» في أواخر القرن الثامن عشر، وسرعان ما تحولت إلى نظرية وطنية في كتابات تيودور بيشه Theodor Pesche، وكارل بنشا Karl Penca، ورتشارد فاجنر، الذي وجد أنصارًا مخلصين لعبوا معه دور الدعاة، والحواريين؛ فمَكَّنوا لنظرية تفوق الآريين، أو «التيوتون» في ألمانيا.

وبمرور الزمن تم لمذهب «نقاوة الجنس»، و«تفوق الجنس» أن يتبوأ المكان الأعظم في ألمانيا أكثر من أي دولة أُخرى. إلى أن ظهرت كتابات «نيتشه» التي اتبع خطاها أدولف هتلر محولًا العالم إلى حمام دم في سبيل التفوق المزعوم، حتى كان حتفه في تلك النظرية.

والغريب أن هناك نظرية مشابهة، ولكن بالمعكوس، تعتري مجتمعنا العربي المعاصر والمصري على وجه الخصوص، تلك النظرية التي تدعي دنو همة الشعب ودناءته، إما من ناحية تقبله للعبودية وعدم استعداد الشعوب للديمقراطية من وجهة نظر المثقفين والنخبة، أو من ناحية عدم التحكم في الاستهلاك أو الاستجابة لبرامج الإنتاج، أو تحديد النسل.

فالشعب المصري في نظر النخبة والمثقفة والأجهزة التنفيذية على حد سواء شعب «خانع خاضع كسول شره ساقط الهمة ليس لديه استعداد للديمقراطية أو حتى للعمل الجماعي»، تلك النظرة الدونية التي كانت سببًا في دخول مصر الحديثة في دائرة مفرغة من القهر والفقر والأمراض الاجتماعية والصحية، بينما نمت وتطورت مجتمعات كانت أشد فقرًا وأكثر تخلفًا خلال العقود الماضية.

فالنخبة المثقفة تجد في تلك النظرية، تغطية جيدة على فشلهم في إيصال أفكارهم من أبراجهم العاجية، إلى القواعد الشعبية، بينما تجد السلطات التنفيذية وأنظمة الحكم المتوالية، في نفس النظرية تغطية على فشل برامج التنمية المتعددة على مر سنوات من النهب المنظم للدولة، وتمكين الفاسدين ومعدومي الخبرة السياسة والاقتصادية من قمة الهرم الوظيفي.

والأغرب أن الجميع يستشهد بنصوص تاريخية أحيانًا وقرآنية أحيانًا على ذلك، مثل تكرارهم المقولة المفتراة على الصحابي الجليل عمرو بن العاص عن مصر «أرضها ذهب ونساؤها لعب ورجالها من غلب وأهلها تجمعهم الطبلة وتفرقهم العصا».

فإذا بينت للقائل أنه لا يوجد أي دليل في كتب السير والتاريخ، على نسب هذه المقولة من وجه ثابت إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو الذي كان يحب مصر وأهلها ويحبونه، حتى أنهم طالبوا بعودته للحكم في عصر عثمان، فإذا بينت لهم ذلك اتجهوا للآيات القرآنية الخاصة بفرعون وقومه من أهل مصر مثل قوله تعالى: «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (54)»، فيأخذون أجيالًا متعاقبة من شعب اختلطت فيه الثقافات والأعراق، وتطورت على مدى آلاف السنين، بذنب جيل واحد معاصر لذلك الفرعون، رغم وجود عدة تفسيرات تفيد بكره أهل مصر لما فعله فرعون، والدليل ما هو ثابت باعتراف الإسرائيليين أنفسهم ووافقهم علماء الإسلام.

ما جاء في العهد القديم وفي سفر الخروج تحديدًا:

3: 21 وأعطى نعمة لهذا الشعب في عيون المصريين فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين.

3: 22 بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعه فضة وأمتعه ذهب وثيابًا وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين.

11: 2 تكلم في مسامع الشعب إن يطلب كل رجل من صاحبه وكل امرأة من صاحبتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب.

فها هم المصريون المتعاطفون لا تربطهم فقط علاقات صداقة وصحبة بجيرانهم ونزلاء دورهم، الإسرائيليين، بل يتنازلون عن ذهبهم وأمتعتهم طواعية، لا يمكن أن يتخذوا صف الحاكم في حين اضطهادهم إلا مجبرين أو شركاء في الاضطهاد.

وهكذا كل يغني على ليلاه ولأغراضه الخاصة لكي يثبت أنه ليس فاشلًا، ولكن الشعب نفسه لا يصلح لأمثالهم من العباقرة الحكام أو العباقرة الثوريين.

رغم أن الواقع التاريخي والمجتمعي وأبحاث الجينات والهندسة الوراثية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن الجماعات البشرية متساوية تمامًا، وأثبت مئات العلماء خطأ أسطورة الجنس المتفوق أو الجنس الرديء.

إن الشعوب تختلف فقط من حيث التكيف مع البيئة المحيطة والظروف المجتمعية، حيث لا بد هنا أن تختلف طباع أهل الصحراء، عن أهل الساحل ،عن سكان الأحراش، وتتوارث الأجيال تلك الطباع، مشاهدة ومعايشة وتلقينًا، لكن إذا ما تم تربية أفراد من البيئة الصحراوية منذ الصغر في بيئة ساحلية، تجدهم تلقائيًّا يتخذون طباع ونمط معيشة أهل الساحل، وهكذا في باقي البيئات، فالطفل المأخوذ من عائلة فقيرة في سهوب أفريقيا الاستوائية لو تم تربيته مع عائلة غنية في مثالج سويسرا فلن تختلف طباعه أو طريقه معيشته عن أهلها، ولكن يكون مختلفًا في لون بشرته الداكن، وحسب.

كما تختلف الشعوب طبقًا لنظم الحكم والإدارة، وما توفره من بيئة سياسية وعلمية وتعليمية مختلفة، فالطفل أو الشاب المهاجر من إحدى دول الشرق الأوسط إذا نما في بيئة ديمقراطية حقيقة تجد أنه لا يختلف إطلاقًا عن أهل الدول التي هاجر إليها، أو هاجر إليها آباؤه، وهذا نراه يوميًّا في الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المصريين والعرب إلى أوروبا وأمريكا، حيث لا يكون الخلاف إلا في الدين أو العقيدة، في مجتمع يؤمن بتعدد الأعراق والديانات.

وهناك من التاريخ أمثلة تمتد إلى حاضرنا، فالكوريتان اليوم رغم أن المواطنين في الدولتين كانوا أمة واحدة قبل عام 1945، حيث انقسمت إلى كوريا الشمالية والجنوبية وبرغم حداثة التاريخ تجد اختلافًا شاسعًا بين البنية المجتمعية والثقافية والعادات ما بين الذين وقعوا تحت الحكم الشمولي الديكتاتوري، ومن شاء حظهم أن يقعوا تحت الحكم الديمقراطي في الجنوب.

والعكس ما حدث في ألمانيا سنة 1989 -حين انهار الجدار الذي فصل بين الشعب الألماني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية- دعا ذلك الحدث علماء الاجتماع إلى إجراء الكثير من الأبحاث الاجتماعية إلى الآن.

حيث إن الشعب الألماني الذي كان يهتف خلف هتلر برفعة الجنس الأري وتفرده سرعان ما انقسم إلى شعبين مختلفين تمامًا في الطباع، ونسبة التحضر، وانتشار الأمراض الاجتماعية، في غضون عدة سنوات بعد الحرب، ثم سرعان ما اندمجا فصارا شعبًا واحدًا من جديد بمجرد تغير نظام الحكم من الشمولية إلى الديمقراطية.

إذًا، المشكلة في الأنظمة السياسية، وليست في الشعوب مطلقًا، فعقول الشعوب وطباعهم قابلة للتشكيل والتربية، فقط إذا وجدت النية الحقيقية لدى نظم الحكم لرفع الكفاءة العلمية والتعلمية والأخلاقية للشعب.

الواقع أن نظم الحكم المتوالية على مصر تفعل عكس ذلك تمامًا، بداية من وضع الاحتلال الإنجليزي لمناهج دراسية تخرج كتبة وموظفين قليلي الإبداع والثقافة ليستخدمهم في إدارة شؤون الدولة تحت حمايته، دون أن تكون لهم تطلعات أخرى.

ثم تبنت أنظمة الحكم المختلفة منذ العهد الملكي نفس المناهج وطريقة التدريس، بل حولتها إلى الأسوأ عامًا بعد عام، في شبه تعمد من نظم الحكم لإفشال العملية التعليمية التي باتت تخرج مسوخًا بشرية، لا تصلح للمجتمع خلقيًّا أو عمليًّا.

وانتشرت أمية المثقفين بشكل بشع فذلك الطبيب البارع الذي لا يعلم شيئًا خارج مجاله الطبي حتى أنه منفصل تمامًا عن أي تيارات علمية أو أدبية أو ثقافية تتطور في العالم من حوله، هو فقط يعمل لكي يعيش هو وأبناؤه تلك الحياة الطيبة، التي استدان أبواه وعضهما الجوع حتى يحصل عليها أبناؤهم.

والمثال ينطبق على باقي من حصلوا على شهادات رفيعة ومن ثم على من هم أدنى في السلك الوظيفي والتعليمي، حتى تصل إلى أشد المصريين أمية.

لقد صار المجتمع عبارة عن مجموعة من الجزر المنعزلة المنغلقة على «أكل العيش»، دون وجود أي وعي جمعي لدى المواطنين، وتضاءلت القيم الخلقية لدى الجميع، مع تضاؤل قيمة الجنيهات في جيوبهم المُهَدَّدَة دائمًا بالأسوأ.

وفي سبيل الحفاظ على ذلك، فهو على استعداد لفعل أي شيء وكل شيء، بداية من تأييد من بيده الأمر مهما فعل، ولا تنتهي بجرائم حقيقة يعاقب عليها القانون الذي تم تفصيله بحرفية، لزيادة ترسيخ أحاسيس الإذلال والسيطرة لدى العامة، وإنقاذ الكبار إذا تأزمت الأمور.

وهو ما يروق للحكام الذين وجدوا في ذلك القطيع الجائع، المنعدم الوعي السياسي أو الثقافي أو الخلقي، فرصة مناسبة لحكم مستقر على قبضة أمنية حديدية.

مع ابتكار مئات التجارب الاقتصادية الفاشلة على مر عشرات الأعوام، ليس لها غرض سوى المزيد من النهب المنظم لخيرات البلاد، والمزيد من الجهل لأهلها، ولا توجد بالطبع محاسبة أو شفافية لمعرفة المخطئ والمصيب، أو لتصحيح المسار.

فإذا انفرط العقد أو أفلست الدولة، فالتهمة جاهزة دومًا «إنه شعب كسول شره مستهلك غير قادر على الإنتاج، همجي لا يستوعب الديمقراطية بعد، وبالتأكيد هو شعب لا يتمتع بمسؤولية الصبر على الجوع والفقر حتى يتسنى للحكام التفكير في تجارب جديده كالعادة قد تنجح وقد تفشل، لكنها دائمًا أقرب للفشل، ولن تنجح أبدًا إلا إذا جاء من يعرف ويدرك أن الشعوب يتم تربيتها كما نربي أطفالنا.

فنجعل منهم الصالحين والفاسدين، وذلك يمثل اختيارنا المصيري لمستقبلهم ومستقبلنا.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد