قبل طرح بعض أهم نقاط موضوع خلق القرآن يجب أن نشير إلى ملاحظة مهمّة، وهي أن خلق القرآن هو نقاش فقهي مستحدث لدى المسلمين وهو أحد المحاور الأساسية في علم الكلام، وهو نتاج صراعاتهم الفكرية، فلم يسبق للرسول ولا للصحابة أن طرحوا هذا الموضوع لأن بيئتهم الفكرية لم تسمح لهم بذلك.

لكن ما زاد في الموضوع إثارة هو ادّعاء أعداء المعتزلة أن خلق القرآن هو فتنة، فكل نقاش فقهي لا يجدون له سندًا في الحديث اعتبروه فتنة وبدعة ولهذا يكرهون الاجتهاد ويعتبرون أن الدين ليس رأيا حتى في المسائل الخلافية، ولو يظهر أي نص قرآني قطعي الدلالة في مسألة فقهية اختاروا أن يخضعوه للحديث، عوض أن يقوموا بالعكس، ولهذا أشاعوا زعمهم الباطل بأن من يقول بخلق القرآن هو كافر، وهم في الحقيقة قاصدين أن كل من يعارضهم كافر ليس إلا، ونتحدّاهم أن يأتوا لنا بنص قرآني قطعي الدلالة وصريح الثبوت يؤكّد أن من يقول بخلق القرآن هو كافر.

القرآن يجب أن يكون مخلوقًا ومحدثًا ومحدثه الله عز وجل، لأن الله عزّ وجل تحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله إن استطاعوا (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)) فتعني الآية: قل يا محمد للذين قالوا لك: إنا نأتي بمثل هذا القرآن: لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثله، لا يأتون أبدًا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض عونًا وظهيرًا.

وذُكِر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبب قوم من اليهود جادلوه في القرآن، وسألوه أن يأتيهم بآية غيره شاهدة له على نبوّته، لأن مثل هذا القرآن بهم قُدرة على أن يأتوا به، لذا كيف يتحدّى الله الجن والإنس وكل المشككين في القرآن وقداسته أن يأتوا بمثله وهو غير مخلوق؟ إن الله عندما تحدى الإنس والجن فهو تحدّاهم أن يخلقوا قرآنا مشابها للذي نزل على محمّد، ولم يأمرهم أن يأتوا بكتاب أزلي قديم، كما أنه هناك آيات في القرآن الكريم تقول إن القرآن محدث، (مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)، وهناك الأية (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

في سورة الأنعام يقول الله عزّوجل (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ )، يتبين لنا من هذهِ الآية أن القرآنَ الكريمَ هو «شيءٌ»، قد يستدل البعض بمثال مضاد ويقول أن الله تعالى قال (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهَ )، صحيح أن الله شيء والقرآن كذلك لكن الفرق أن القرآن أوجده الله أما الله فلم يوجده أحد.

وفي قضية أن القرآن هو كلام الله، يجب أن نفهم أن ليس معناه أن الله يتكلّم بحروف وأصوات مثلما يتكلّم البشر فيما بينهم، بل معناه أنه إذا أراد الله أن يكلّم البشر، فهو يخلق كلاما يستوعبه عقل الإنسان، إن البشر عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون العيش في معزل عن الآخرين، ابتكروا الكلام واللغات لكي يستطيعوا التواصل فيما بينهم ولقضاء حاجاتهم، مثلما ابتكروا لغة الجسد، يعني أن الحاجة للتواصل هي التي أجبرت البشر على الكلام، أما الله فهو منزّه عن كل هذا.

فمحاولة إثبات الصوت والحروف لله هو مسلك سلكه المشبّهة، رغم النص القرآني الذي حسم الأمر وقال بأن الله ليس كمثله شيء، وخلاصة القول هي أن القرآن تكلّم عن الله بلسان بني آدم، فنسب إليه أن الله يتكلّم كما يتكلّم بنو آدم، وليس من مشابهة حاصلة بين الله وبين خلقه، حتى نثبت لله كلامًا بحرف وصوت ككلام البشر.

الذين يعارضون فكرة خلق القرآن، قالوا إن إنكار الصفات هو ما أدى الى القول بخلق القرآن، وهذا خلط كبير، القرآنَ ليس صفةً ولا جزءًا من صفاتهِ فهو داخلٌ في عُمومِ الآية (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، سبب قول أهل السنة بأن القرآن أزلي هو الخلط بين صفة الكلام لله اﻷزلية، وبين كلام الله الذي قاله، وقد ذكر الله في كتابه عن آثار الصفة صفة الرحمة التي هي أزلية فقال: «فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها» وآثار صفة الرحمة هي غير أزلية التي منها إحياء الأرض بعد موتها.

فهل يعقل إذا قام أحد بحرق القرآن سنقول أنه أحرق صفة الله؟ فلو قلنا مثلا إن «عمر عالم» فان لفظ عالم هو لفظ مشترك فلا نستطيع أن نقول إن الله عالم أكثر من عمر لأن ذلك مساواة الخالق بالمخلوق، فهل يمكن أن نساوي هنا بين القرآن والله ونقول أن القرآن قديم قدم الله؟

القول بأن القرآن غير أزلي يضع المسلم أمام مشكلة وهي، إذا كان القرآن أزليا، فماذا نقول عن التوراة والإنجيل؟ أليسا كلام الله أيضًا؟ هل هما أزليان أم لا؟ فاذا كانا كذلك فلماذا تعرّضا للتحريف؟ قد يقول المسلم أن الفرق بين القرآن والتوراة والإنجيل هو أن الله تعهّد بحفظ القرآن عكس الكتب الأخرى، وهذا صحيح لكن كيف يتعهد الله بحفظ كتاب موجود في الأزل ثم يسمح بتحريفه وتبديله ليضلّ الناس ثم يحاسبون على ذلك؟ أين العدالة الالهية هنا؟

إن القول بقدم القرآن، وأنه صفة لله، فهذا يتيح فرصة للنصارى بأن يثبتوا ألوهية المسيح عليه السلام، فعندما عجز اليهود النصارى عن تحريف القرآن وتبديله لجؤوا إلى مسائل الخلاف لدى المسلمين وسيلة لتمرير معتقداتهم، بعد أن وجدوا أن أكثرية المسلمين بعد صعود نفوذ المحدثين ورواة الأحاديث في العصر الأموي صاروا يتقبّلون أي كلام يحمل «قال رسول الله» ومتلهّفين لسماع كلمة الرسول في جملة مفيدة، كما أصبحوا يتساهلون مع الأحاديث التي تتكلم في قضايا الدماء والعقيدة.

إن أول من قال بقدم القرآن هو «يوحنّا الدمشقي» الذي كبر في البلاط الأموي، إذ حاول التدليس على المسلمين الذين يقولون إن القرآن كلام الله الأزلي، فقال لهم إن عيسى عليه السلام هو كلمة الله أيضا مثلما أورد القرآن وبالتالي عيسى غير مخلوق بل أزلي ومنه يشارك الله في صفة الأزلية فما الذي يمنعه من أن يكون إلها أيضًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

خلق القرأن بين المعتزلة و أهل السنّة لــفخر الدين الرازي
عرض التعليقات
تحميل المزيد