كي تجعل التنشئة السياسية المجتمع أفضل؟

الإنسان كائن اجتماعي يسعى إلى الألفة والتعايش مع غيره، ولكنه يريد أن يمارس حريته، وبمقتضى ممارسته إياها يتعدى على حق غيره، سواء بقصد أو بدون قصد، لذا فوجب على الجنس البشري إيجاد حل لذلك، وكان الحل الأمثل هو فرض القانون الذي يكفل للفرد أن يمارس حريته ويحمي حقه، ولكن سن القانون يحتم وجود من أو ما يطبقه، فأوجد نظام الدولة، ثم أخذت الفكرة تتبلور حتى وصلت إلى الشكل المتعارف عليه الآن، ولكن على مر العصور يوجد من هو رأس للدولة بمختلف المسميات، وهو بشر كذلك قد يعتدي على حق المرؤوسين أو ينصر أحدًا على أحد، فوجب على رأس الدولة ومن معه إقرار مبدإ العدل ومبدإ المساواة في الحقوق الموروثة/الطبيعية فحسب، مثل الحق في الحياة والتعبير عن الرأي.

فعلى المنتسبين إلى دولة ما الإلمام المعرفي بكل حقوقهم وواجباتهم، لكي يحيا الواحد منهم غير مسلوب الحقوق، ويستطيع التعبير عن آرائه، والإنسان صاحب العقل لا يقبل أن يسلب حقه في حرية التعبير وحرية المعيشة، فقد تمتع بصفة «العقلانية» التي هي أساس إرساء مبادئ الحرية؛ إذ يستطيع الإنسان أن يصنع قراره دون تدخل الآخرين.

دور التنشئة السياسية

من هنا، برز دور التنشئة السياسية؛ إذ بدورها تعمل ترسيخ المعرفة بالحق في المشاركة السياسية، أو التشكيل الطبقي للنظام، وبمقتضاها دعوة المواطنين إلى المشاركة، فعندما تدق الساعة في تمام الثانية عشر بعد منتصف الليل بعد 18 سنة من لحظة ميلادك، تكون صاحب حق في المشاركات السياسية الجارية في الوقت الراهن؛ إذ تمتلك حينها صوتًا انتخابيًا تشارك به في تحديد مصير بلدك، تشارك في اختيار من يحكمها، توافق على سن قانون جديد أو إلغاء آخر أو تعديل غيرهما أو تأبى.

تعمل التنشئة السياسية إنتاج مواطنين واعين وفاعلين يمتلكون ما يسمى بالثقافة السياسية غير قابلين أن يوجهوا ويختار لهم غيرهم، ففي أيديهم مصير بلدهم، ومن شأنها أيضا إقرار الحاجات الاجتماعية في النفوس وتقديمها على الحاجات البيولوجية؛ فالإنسان غير المدرك للثقافة السياسية/آلية استخدام الحق السياسي، يقدم الشبع من الجوع على مشاركاته الاجتماعية.

التوجيه الاجتماعي والسياسي

حين تنظر إلى كبار السن معدومي الثقافة السياسية، ستجد أن معظمهم لا يمتلك رأيًا خاصًا به، أو بالأحرى رأيه موجه، ويسعى إلى إشباع الحاجات البيولوجية، يدلي بصوته لمن يدفع له أكثر أو يقدم إليه نوع «زيت» أعلى جودة، وآخرون من ذوي الجهل المركب الذين لا يعرفون ولا يعرفون أنهم لا يعرفون ويسعون إلى توجيه غيرهم.

تلك هي الحال في وطننا العربي، ولا سيما مصر، لا نمتلك الثقافة السياسية، نسير وراء التكتلات، ولكن الندب على الحال ترف وهراء، فأملنا في جيلي والجيلين السابق والتالي، لا بد أن نسعى في سبيل التنشئة السياسية، ولكن كيف السبيل إليها؟

كيف السبيل؟

السبيل إلى التنشئة السياسية يبدأ بالأسرة، على الآباء اصطحاب صغارهم إلى أماكن الاقتراع – إن ذهبوا – كما يصطحبونهم إلى دور العبادة، وترسيخ أهمية المشاركة الفاعلة مبادئ الحريات في النشء والتمهيد إلى حياة قادمة أفضل، ويعم فيها الوعي المجتمعي.

ثم بعد ذلك يتلقفه المجتمع والمدرسة، إذ يعمل المجتمع على التقويم الحقوقي للطفل/للشاب، فحينها يدرك أهمية القانون، ويرسخ في ذهنه حدود الحريات، تلك الحدود التي تبدأ عندما يتمادى الواحد في ممارسة حريته حتى يبطش ويدخل في نطاق حرية غيره، وترسخ المدرسة فيه قيم المشاركة الفاعلة والدور المنوط به وبرأيه بوضع مناهج معدة لذلك الغرض مع التدريب الفعلي، وتشركه في الأنشطة اللازمة لإقرار تلك المبادئ في نفسه، ولدور العبادة والإعلام دور في ذلك؛ إذ يجب عليهم التوعية بدور الأفراد، بشرط ألا يكون الخطاب متحيزًا وتوجيهيًا نحو اختيار معين.

الاتحادات الطلابية ونماذج المحاكاة

من التطبيقات الفاعلة للمشاركة السياسية والمجتمعية لدى صغار السن تكمن في الاتحادات الطلابية ونماذج المحاكاة؛ ففضلًا عن دورها في إرساء قيم العمل الجماعي والتعاون، فهي تعد أحد المنطلقات التي تهيئ الصغار والكبار لتحمل المسؤولية الأسرية والمجتمعية والسياسية وتعدهم لإدراك حجم سلطة الشخوص المختارة.

البعد الإصلاحي

ليست المشاركة السياسية والتنشئة على ذلك ترفا ورفاهية يتمتع بهما علية القوم، ولكنهما أصبحتا مفروضتين على كل من يريد إصلاحًا، سواء اجتماعيًا أو اقتصاديًا، فالإصلاح السياسي سبيل إلى ذلك، ولن يتم الإصلاح السياسي دون مشاركة فاعلة من أفراد الشعب، فلذا يجب تنشئة الصغار على المشاركة وعدم الابتعاد عن المشهد الراهن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسيا, نشئوهم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد