default-avatar
أحمد عبد الله سالم
default-avatarأحمد عبد الله سالم

عن ماذا نتحدث هنا؟ عن حقيقة خلف حقيقة عن واقع وراء واقع. كيف يمكن أن تتمحور الحياة على بعض من الأشخاص والأماكن والأفكار؟ دعك من هذا، متى أثق بهم؟ وإلى أي مدى أستطيع ذلك؟ ولمَ أفعل ذلك من الأساس. لابد أن يكون هناك مغزى من كل ذلك. وحتى وإن لم يكن، فهذا رائع. من الرائع خوض تلك الحياة تارةً مع الحمقى وتارةً مع الرائعين. من الرائع مقابلة أشخاص جعلوا من المستحيل ممكنًا. من الرائع الشعور بالنصر والهزيمة، من الرائع تجربة الأمل واليأس. ولكن أتعرف ما الرائع أكثر من كل ذلك؟ أنى لأحمق مثلي يحاول أن يكتب عن الحياة؟ من الغرور التحدث عن الحياة. فأنا لا أتذكر كوني طائرًا، يحلق فى الأعالي ويرى كل شيء صغيرًا ولا أتذكر كوني نوعًا من الأسماك أو حتى البرمائيات.

ولكن المثير للضحك أننا نحن البشر قادرون على ذلك ففي حالات الانتشاء العليا نكون طيورًا وسلاحف وتنانين، نكون ما نريد. حينها يكون الكون مكانًا ضيقًا للغاية، ضيقًا لحبنا الضائع وأحلامنا الخفية وأفكارنا المبعثرة، ضيقًا لأصدقائنا من جميع الأزمنة من الواقع والخيال. حينها نتخيل أن النجوم أخيرًا تبتسم وترد على رسائلنا المنسية.

إن حالات الانتشاء العليا لهي تلك اللحظات التي تحدد من أنت حقًا، ففيها لا تستطيع الهرب. لا يوجد مزيد من المراوغات. أنت تكون ما أنت عليه. ستكون غالبًا وحيدًا ضائعًا. مثلنا ومثل النجوم. ولكنك ستشعر بطاقة لا مثيل لها، طاقة تجعلك تعتقد أنك أعظم من وجد في الوجود. طاقة تتخلل كل خلية في جسدك وتجعلك تضحك. تضحك في الحزن واليأس والهزيمة. إنه لشعور رائع أن تكون مهزومًا ولكنك لا تستطيع التوقف عن الضحك.

إنه لشيء غير عادل ومثير للشفقة أن يتحمل العقل عبء الوعي والوجود وحده. كان يجب أن تكون اليد واعية. واعية حتى تصفع العقل عندما يفقد شخصه. تداويه وتسانده عندما تتكالب عليه الآلام والأحزان عندما تغرقه الأفكار في بحار آثامه. كان يجب أن تكون اليد واعية حتى تبصق وتدمي هذا الوغد عندما قرر الاستسلام. تصفعه صفعات متتالية لا تعرف الشفقة. كان يجب أن يكون هناك أجنحة. قل لي كيف سيكون الطيران ممكنًا عندما يفقد العقل شخصه؟ من سيحطم الأوهام؟

عندما تفقد عقلك يا صديقي فأنت في حرب. حرب لا تقل شدة وحدة عن الحروب العالمية ولكن الفرق هنا، أنك ستخسر تلك الحرب. ستكون محاربًا مشلولًا والشلل يتخلل كل خلية في جسدك يومًا بعد يوم، عندما تفقد عقلك اعرف أنك انهزمت. أجل لقد كسرك الرعاع. وخذلك ذلك الذي ظننت يومًا أنك تملكه. لا يوجد فرق بين العقل وبين الأصدقاء. كلاهما يتألمان. ولكن وعندما يتألم العقل إنه يترك العالم. إنه يغادر جسدك، يتركك أنت عاريًا. ولا نعرف أين يتجول أو متى سيعود. ولكنه لابد أنه يتسكع بين الأكوان مع النجوم الضائعة، مع أحلامك.

ولكن رفقًا بعقل المبدع، إنه في حرب منذ أن ولد. عقل المبدع يقاتل نفسه في كل يوم. عقل المبدع لا يتوقف أبدًا عن التفكير. عقل المبدع يفكر في ملايين الأشياء في آن واحد. إن عقل المبدع عالم آخر، عالم لا يعترف بالحدود والنهايات. صحراء بها غابات وبراكين وشلالات. لقد وصل لهذا المستوى بعد ألم عظيم، ألم جعله يكسر كل الحدود والتابوهات. ألم جعله يرى كل المستحيلات تفاهات. وإن الحياة معظمها نفايات وترهات. عقل المبدع لا يخلو من الشكوك والتناقضات.

لكى يكون المبدع مبدعًا، فذلك يتطلب بدوره آلامًا وتحولات كثيرة. أجل لا بد أن يكون في حياتكم كثير من مرارة الموت، أيها المبدعون! هكذا تكونون المدافعين عن كل ما هو عابر، ومبرريه. هكذا تكلم زرادشت.

إن عقيدة المبدع هي الشك. حتى في نفسه. إنه ليس متغطرسًا كفاية لأن يعتقد أنه معصوم من الخطأ. إنه يعرف أن له حدودًا لا يمكنه تجاوزها. مهما ثمل وتجرع من الفلسفة والألم والحياة فهو يعرف أن هناك مناطق ضبابية لم تخطر على عقل المبدعين قط.

المبدع عند نيتشه

لكن الذي يكون مكروهًا من الشعب كالذئب لدى الكلاب: هو العقل الحر، عدو القيود، المُدبر عن العبادة، الساكن في الأدغال، انظر إلى هؤلاء الصالحين والعادلين! على من يحقدون أكثر من أي كائن كان؟ على ذلك الذي يكسر ألواح قيمهم القديمة، المخرب، المجرم، لكن ذلك هو المبدع. وكل من يريد أن يكون مبدعًا في الخير وفي الشر عليه أن يكون الأول مدمرًا، وأن يحطم القيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك