طغاة مبدعون «عن الفن والقسوة والديكتاتورية»

يحمل العنوان الرئيسي للمقال اسم عمل فلسفي للكاتبة المصرية «عبير عواد»، وتتحدث الكاتبة في عمل مكون من 316 صفحة عن علاقة الطغاة بالإبداع الفني والأدبي.

بالنظر إلى لوحات هتلر الذي أراد أن يحيا حياة فنية لم يحالفه الحظ بها، أو إلی كتابات بينيتو موسيليني الحادة والقوية من حيث المفردات واللهجة الخطابية، أو لوحات فرانسيسكو فرانكو الإسباني الذي وضع لوحات ذات سمات فنية لا يمكن إنكارها، ومرثيات ماو تسي يونج وكتاباته ذات الأسلوب «الماوي»، ودعم الملك الإنجليزي «هنري الثامن» للثورة الفنية التي غمرت إنجلترا بعد الخروج من عباءة الفاتيكان، أو الكتاب الأخضر لـ«معمر القذافي»، وبعض كتابات «صدام حسين» وأشعاره، يطوف بنا العمل، وينقلنا ويؤرجحنا بين التاريخ المكتوب بيد المنتصر، والنظرة المقابلة له، وبين الفلسفة والنظرة التحليلية لسمات وتصرفات كلٍّ من المذكورين، وتتحدث الكاتبة عن رغبة أي شخص في التعبير عن نفسه، ولجوئه للفن لإظهار الجانب الإنساني منه، والتعبير عن رغبته، أو تعزية نفسه ومواساتها لخيبة الأمل في تحقيق المراد، فهتلر النازي كان يرغب في أن يكون رسامًا، ولولا رسوبه في تقييم أكاديمية الفنون بالعاصمة النمساوية «فيينا» لصار فنانًا، ربما لم يكن هتلر فنانًا مؤثرًا، ولكن حدوث هذا كان سيعني عدم دفع العالم بالكامل ضريبة أفعال هتلر وتغييره لمقاليد الحكم وقلب العالم رأسًا علی عقب.

هذا الكلام لا ينطبق علی الدوتشي، بينيتو موسيليني الذي استغل موهبته في الكتابة ليكون صحافيًّا مؤثرًا وأحسن استغلال قلمه ليحقق أهدافه عن طريق الكتابات الصحفية والخطب القوية المؤثرة في الجموع، الطفل الذي كان يدرب نفسه علی الخطب ليسمعه العالم يومًا ما، فعل ما أراد ووصل لحكم إيطاليا. بينما نظرة فرانسيسكو فرانكو إلى الفن كانت تعكس الجانب الإنساني له، كان يرسم ليحسن صورته أمام نفسه، كي يبتعد عن ديكتاتوريته ويكون إنسانًا بينه وبين نفسه، رغم صرامة لوحاته.

أما علی الصعيد العربي فصدام كان صاحب أعمال أو شذرات فنيه قليلة، وإبداعه لم يكن ذا صيت مثل نظيره القذافي، فكانت له رواية لم ينشرها باسمه، وكانت له قصيدة كتبها قبل إعدامه في 2005 مادحًا فيها نفسهُ، ومحذرًا من ضياع الحضارة بسبب العملاء والخونة.

أما القذافي فقد أصدر «الكتاب الأخضر» الذي لم يكن سوی تفريغ لما يدور في رأسه ووجهة نظره عن السياسة والعالم الثالث، لم يكن الكتاب ذا محتوى فني، ولا حتی أدبي، بل كان مجرد كلمات مبعثرة فرضها علی الناس؛ كي يقدسوها مثلما يقدسونه.

وبالرغم من عدم نضج أو قوة الأعمال الفنية أو الأدبية لكل هؤلاء الطغاة، فإن محاولاتهم في إنشاء عمل أدبي أو فني هي محاولة للسيطرة الكُلية علی الخيال، سواء الخيال الخاص، أو حتی الخيال الجمعي للمحكومين.

تسأل الكاتبة سؤالًا يسأله أي شخص حينما يبدأ في القراءة، كيف يكون الطاغية مبدعًا؟

وتجيب في سطور ملخصة فلسفة الطغاة وتقول: «إن محاولة الطاغية للإنتاج الإبداعي ليست إلا محاولة ضمنية لإحكام سيطرته بصورة أو بأخرى علی الواقع والخيال لدی شعبه، بفرض إبداعه، أو ما قد نطلق عليه جزافًا إبداعًا، وهو أبعد ما يكون عن هذا، كما يفرض عليهم كل شيء آخر».

العمل يعد دراسة، أو قراءة وتحليلًا نفسيًّا للطغاة، وتحليلًا لرغبتهم العميقة في السيطرة علی الخيال وترويضه، وإظهار قدرتهم ومبادئهم ليجعلوا المحكومين مؤمنين بقضيتهم، وهذا المثال ينطبق علی قوة خلابة هتلر، أو حدة كتابات موسيليني.

بالنسبة لي استفدت من العمل، لكونه يحمل عدة جوانب مختلفة غير التي كنت أراها عند ذكر أي اسم من المذكورين، ولأنه يحمل عدة أجزاء من التاريخ، وعدة رؤی تحليلية لسمات كل هؤلاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد