استيقظ للتو محاولاً فتح جفونه التي تأبى أن تنحسر كي تسمح لضوء المصباح أن يعانق عينيه، ها هو يمد يده إلى الطاولة المجاورة لسريره عليها عدد لا بأس به من علب الدواء يأخذ من ثلاثة أنواع نصف قرص متمتمًا في ملل كل يوم آخذ الدواء وكل يوم أيضًا يشبه الأمس وغدًا وبعد غد، لا جديد.

سيدي أعطني الحساب مائتي جنيه ليس عشرين. ما هذا النصب أين الضمير؟ أكاد أبكي، عذرًا لم أقصد أن أقولها للرجل بتلعثم فتتساقط حاجياتي من بين يدي، ألملمها وأجدّ في المسير عسى أن أختفي عن ناظريه وبرأسي آلاف الأفكار، هل لاحظ ثقل لساني خلال الكلام، لا بد من أنه يعلم الآن أن هناك شيئًا غريبًا بشأني، هل فهم كلامي أم كالعادة كلماتي فريدة من نوعها وكل منها مستقل بذاته لذا فجمعهم في جمل لا معنى له معظم الوقت .

لا أذكر متى قمت بفتح الحساب لديكم، لكن هو في حدود السنوات الخمس السابقة، رجاء حاول أن توفر لنا معلومات دقيقة يعتمد عليها في هذا التحويل البنكي حتى لا تخسر أموالك، أحاول أن أتذكر أين وضعت بيانات الحساب، وبصعوبة أدرك أنني مزقت أوراقًا مهمة في نوبة غضب مرضية عندما توقفت عن أخذ الدواء الذي يعالج مرضي النفسي المزمن.

أدخل مستشفى الأمراض النفسية لفترة، وأخرج منها مجرد نسخة باهتة مني لا أكاد أعرفني. لقد صرت غيري، كلما دخلت المشفى بسبب انتكاسة أفقد جزءًا مني بالداخل ثم أخرج محاولاً تذكر كيف كنت لا أستطيع فقد خضعت لجلسات كهرباء تمحو كثيرًا مما أذكر فما يتبقى مني كباقي الوشم على ظاهر اليد، ليت هناك خيارًا مثل الهواتف المحمولة دعم البيانات واسترجاعها كي أستطيع التعامل بعد الخروج.

في العمل أحاول أن أتأقلم مع ظروف المكان ومهامه والتعامل مع الزملاء، لكن من يعرف أني كنت في مشفى نفسي تتغير معاملته حتى وإن حاولوا أن يظهروا غير ذلك. عندما لم أُجِد التعامل مع وكيل الوزارة قالت له المديرة اعذره فهو مريض نفسي، عندها فقط شعرت أن الأخذ بالأسباب والالتزام بالدواء لا معنى له لأن ثقافة تقبل الاختلاف شبه منعدمة بمجتمعاتنا العربية فتفرض علينا كمرضى العزلة والانسحاب التدريجي من محاولات للتواصل ومد الجسور مع الآخر مهما كانت الصعوبات.

الحياة ليست مثالية وتقبل أن للدواء بعض الأعراض الجانبية التي قد تؤثر على التفكير والتواصل شيء لازم، حاول أن تصادق مرضك وتعامل معه على أنه بضع أعراض تشفى بإذن الله باستخدام الدواء فهو فرصة لتحيا وتتعامل من جديد والعلاج النفسي معرفي وغيرها. سأطلب منك شيئًا واحدًا: لا تتوقف عن أخذ الدواء أبدًا من نفسك دون أن تعود لي تذكر «لا شيء يستحق أن تعيش مجرد جسد موجود فقط»، تقولها طبيبتي بابتسامة عريضة لا أستطيع معها سوى أن أفتح نوافذ التفاؤل في قلبي ليضيء تلقائيًا فتزرع بخلاياه شعورًا بالأمان والدعم.

مختلف، البعض يقرأها «مخ، تلف» أو يلهو قليلاً بحروفها يبدلها ويعيد ترتيبها فتصير «متخلف»، ويتعاملون على هذا الأساس وكأنما هو حكم نهائي صدر بمجرد الدخول تحت مظلة المرض النفسي، تذكر أن أي مريض هو فقط غيرك، ردود أفعالك تجاهه أثناء التعامل قد تهب له أجنحة من السعادة فيتحمل كل صعوبات اليوم أو تسلبه ابتسامته الواهية التي يرتديها مع ملابسه دومًا.

يوجد نحو 130 مليون مريض نفسي في العالم معظمهم يعانون من الاكتئاب، ومنهم قرابة خمسة ملايين مصري يعتمدون على الأدوية النفسية بشكل يومي، الأرقام كبيرة والمخيف أن هناك إحصائية من الأمانة العامة للصحة النفسية بأن عدد المنتحرين من فئة الشباب والمراهقين قد زاد بنسبة 500٪ خلال العشر سنوات الأخيرة بمصر رغم توافر فرص العلاج الدوائي والسلوكي بالمستشفيات والعيادات.

ما يزال تصنيف الناس وفقـًا لعادات موروثة وتوقعات منتشرة من أخطر ما يحدث خلال التواصل الاجتماعي والمهني، مما يؤدي إلى صعوبة بل أحيانًا استحالة تأقلم البعض مع الوصمة بالمرض النفسي والعقلي خاصة، وقد يترتب على هذا فقدان الأمل وانعدام الثقة بالنفس، وهذا يفسر ارتفاع معدلات الانتحار.

إنه/ إنها تعيش بعقل بلا حياة أو حياة بلا عقل، رجاء دع مساحة لقلب ينبض وذهن يتأمل بينك وبين إيلام الآخر بمثل تلك العبارة، فرأيك به وانطباعاتك عنه تخصك وحدك بجيدها وسيئها، في تلك المساحة تذكر أن للقلب عليك حقًا وللعقل عليك حقًا ولنفسك عليك حقًّا، فازرع السرور والتفاؤل، اهتم بذاتك وتقبل الآخرين، عسى أن تزهر كلماتك الإيجابية أينما كنت ذات ربيع. ???

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد