إن كل متفلسف أو كل من عنده أدنى إلمام بالفلسفة يعلم أن الفلسفة كلمة يونانية الأصل، مؤلفة من مقطعين: فيلين (Philein) وتعني أحب وسوفيا (Sophia) وتعني الحكمة أي محبة الحكمة (Philosophy) ويُقال إن فيثاغورس الفيلسوف اليوناني القديم هو أول من استخدمها من الفلاسفة، وذلك لأن الفلاسفة من قبله كانوا يُلقبون بالحكماء.

وفي العصر الحديث أصبح تعريف الفلسفة مختلفًا، فلم يعد فقط (محبة الحكمة) وإنما هو كما عبّر عنه «جيل دولوز» بأن الفلسفة عبارة عن «فن تكوين وإبداع وصنع المفاهيم». إن محبة الحكمة تعني أن تكون صديقًا وعاشقًا للحكمة، وأن الإغريق هم الذين أكدوا موت الحكيم واستعاضوا عنه بالفلاسفة أصدقاء الحكمة، وهم الذين يبحثون عن الحكمة دون أن يتملكوها بشكل قطعي.

ولكن من الصعب معرفة ما تعنيه كلمة (الصديق)، فهل تعني نوعًا من الحياة الحميمة أو نوعًا من الذوق المادي وإمكانًا كذلك الذي يجمع بين النجار والخشب، فهل أن النجار الجيد هو الصديق الحقيقي للخشب؟ فمثلًا: أن النجار يدعي بأنه صاحب الخشب ولكنه يصطدم عندما يدعي حارس الغابة بأنه هو الصديق الحقيقي للخشب. وإذا تعلق الأمر بشؤون الناس سنجد كثيرًا من الطامحين والمدعيين الذين يتقدمون كأصدقاء للإنسان كمثل الفلاح الذي يُغذيه والناسج الذي يكسوه، والطبيب الذي يداويه، والمحارب الذي يحميه، فأيهم الصديق الحقيقي؟ تبلغ المنافسة أوجها حينما تجمع بين الفيلسوف والسفسطائي اللذين يتنازعان بقايا الحكيم القديم، لكن كيف يمكن التمييز بين الصديق الحقيقي والمزيف للحكمة، بين المفهوم وشبهه وبين المتظاهر والصديق؟

يرى «دولوز» أن الفيلسوف صديق المفهوم، لكون أن الفلسفة ليست مجرد فن تشكل وابتكار وصنع المفاهيم، ذلك لأن المفاهيم ليست بالضرورة أشكالًا أو اكتشافات أو مواد مصنوعة. إن الفلسفة بتدقيق أكثر هي «الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم»، ويتساءل «دولوز» بأنه هل يمكن للصديق أن يغدو صديق إبداعاته الخاصة؟ ويجيب بأنه لا تكون المفاهيم في انتظارنا وهي جاهزة كما لو كانت أجسامًا سماوية، ليست هناك سماء للمفاهيم بل ينبغي ابتكارها وصنعها أو بالأحرى إبداعها.

لقد حاول «نيتشه» أن يحدد مهمة الفيلسوف حينما كتب «لا ينبغي أن يكتفي الفلاسفة بقبول المفاهيم التي تمنح لهم مقتصرين على صقلها وإعادة بريقها، وإنما عليهم الشروع بصنعها وإبداعها وطرحها وإقناع الناس باللجوء إليها». فالفلسفة ليست تأملًا لأن التأملات هي الأشياء ذاتها من حيث ينظر إليها في إطار إبداعات مفاهيمها الخاصة، وهي ليست تفكيرًا لأن لا أحد في حاجة إلى الفلسفة للتفكير في أي شيء كان، فنحن نعتقد أننا نعطي الكثير للفلسفة حينما نجعل منها فنًا للتفكير، لكننا في نفس الوقت نجردها من كل شيء لأن الاقتصاديين مثلًا كأقتصاديين لم ينتظروا مجيئ الفلاسفة لكي يتفكروا في مسائل اقتصادية، كما لم ينتظر الفنان مجيئ الفلاسفة للنظر في الرسم والموسيقى، والقول أنهم يصيرون بهذا فلاسفة هو نكتة فاشلة ما دام تفكيرهم ينتمي إلى إبداع كل واحد منهم. فالفلسفة لا تتأمل ولا تتفكر، فليست التأمل والتفكير ميادين المعرفة، وإنما هي الآت لتشكيل كليات داخل مجمل الميادين.

إن كليات التأمل ثم كليات التفكير هما بمثابة الوهمين اللذين عبرت عنهما الفلسفة سابقًا، عندما كانت تحلم بالسيطرة على المجالات المعرفية الأخرى، وإن انفراد الفلسفة بإبداع المفاهيم يضمن لها وظيفة دون أن يمنحها أي تفوق ولا امتياز مادامت هناك طرق أخرى في التفكير والإبداع. يرى «دولوز» أن الفلسفة ألقت إلينا في عصر قريب بمنافسين جدد كثيرين، تمثّلوا في علوم الإنسان وعلى الأخص في السوسيولوجيا التي أرادت أن تحل مكان الفلسفة، ذلك أنه حينما أهملت الفلسفة ميولها نحو إبداع المفاهيم كيما تحصر نفسها داخل الكليات. ثم جاء دور الإبستمولوجيا واللسانيات بل حتى التحليل النفسي والتحليل المنطقي، وهكذا راحت تواجه الفلسفة من تجربة إلى أخرى منافسين وقحين أكثر فأكثر. يتابع «دولوز» بالقول: أنه بلغ العار مداه أخيرًا حينما استحوذت المعلوماتية والتسويق التجاري وفن التصميم والدعاية على لفظة المفهوم ذاتها وقالت: هذه مهمتنا نحن الخلاّقين، إنما نحن منتجو المفاهيم! نحن وحدنا أصدقاء المفهوم نجعله داخل حاسوباتنا، فيصبح بذلك الإعلام هو الإبداعية، والشركة هي المفهوم، وأصبح المقدم والعارض للمنتوج سلعة كان أو لوحة فنية، هو الفيلسوف أو الشخص المفهومي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد