إن كان هناك سبب واحد وراء ندرة الإبداع والتبعية، فلا بدّ أنه نظام التعليم – عدوّي اللدود – الذي يرينا المعادلة بشكلها الخاطئ نوعا ما، ويجعنا نعتبره الصورة الكبيرة! نظامنا التعليمي التلقيني فاشل تمامًا، هدفه خلق فرص العمل بدلًا من صناعة العقول، يعلمنا تكرار المعلومات وحفظها بدلًا من التفكير في أنفسنا، يختبر مدى حفظنا الحرفي للمعلومات بدلًا من اختبار مقدار توسع أفقنا ووعينا! يقتل تفكيرنا الإبداعي بتجاهله استقلاليتنا وتساؤلاتنا. ولكن بالرغم من ذلك فإن البشر لا يوجد من يقف في وجههم عند امتلاكهم العناصر المناسبة للنجاح ضمن وضع قاس كهذا.

لست هنا بصدد التكلم عن مشاكل التعليم التي مللنا من سماعها، ولكن نحن هنا للنظر للتعليم من الزاوية الواقعية ولطرح الحلول والطرق الفردية التي يمكنك اعتناقها لمقاومة هذا النظام التقليدي، حيث إنه لا داع لأن نرمي اللوم على الآخرين وعلى التعليم، فلتبدأ بنفسك!

في البداية، أود أن أسألك بعض الأسئلة، هل تظن أن حصولك على لقب “دكتور” أو تأمين وظيفة لكسب المال هو الهدف من تعليمك الجامعي؟! هل فشلت سابقًا في الحصول على درجات عالية في جامعتك؟! هل التعليم هو هدف أم وسيلة؟!

على كل الأحوال, إن كنت قد تخرجت حديثًا من الجامعة أو مازلت طالبًا جامعيًا أو طالبًا على مشارف الجامعة فأنصحك بشدة بأن تهرع حالًا لقراءة هذا المقال بتمعّن!! لكي لا تستمتع بضياع وقتك أثناء هذه المرحلة ويفوت الأوان!

فلنبدأ..
لطالما قرأنا وسمعنا عن عظماء وإنجازات عظيمة منسوبة لشخص كل ما يميّزه عن الآخرين هو تركه للدراسة مبكّرًا، تُرى لماذا كل من يهمل أو يترك دراسته الجامعية أو المدرسية وينطلق للعمل بشغف مطلق يصبح ناجحًا عظيمًا؟! ولكن في المقابل نسبة كبيرة جدًا من الشباب العربي لم يكملوا دراستهم وها هم جالسون في بيوتهم في أجواء البطالة والفقر، كيف يحدث ذلك؟!

الحب

أنت تعلم يا صديقي بأن أولئك العظماء تركوا دراستهم لأنهم كانوا محظوظين بالعثور على العمل الذي يعشقون القيام به مبكرًا، وبدؤوا بتحقيق نجاحٍ فيه، ولذلك فلم يستطيعوا مقاومة شغفهم وحبهم لهذا العمل؛ فتركوا دراستهم وخاطروا بذلك وانطلقوا لتحقيق ما يحبونه فنجحوا نجاحًا باهرًا. فبالرغم من انقطاعهم عن الدراسة وعدم امتلاكهم للمعرفة نجحوا، لأنك دوما عندما تبدأ عملك الذي تحبه من دون أي خبرة فستضطر للتعلّم والعمل معًا وستبدأ بالتعلم من ما يسمى “مدرسة الحياة”، وستضع قوانين جديدة لا إراديًا لأنك لا تعرف القوانين الأصلية لهذا العمل لعدم دراستك لها وبالتالي سوف تنشئ منهجية جديدة ربما تكون غاية في النجاح بحيث يتبعها الآخرىن غيرك وتدرّس في الجامعات التي لم تدرس بها مطلقًا! لأن العلم يأتي من التجربة، فقوانين التسويق أو الفيزياء التي ندرسها في الجامعات ما هي إلا نتائج لتجارب وخبرات واقعية استنتجت وجرّبت بالعمل لا بالدراسة النظرية من قبل أشخاص جالسين على المقاعد بوظيفة روبوت للحفظ الأعمى فقط، من دون أي إعمال للعقل للتفكير بِعمقِ فيما نأخذ!

فليذهب هذا التصرف إلى الجحيم! انظر إلى أولئك الفلاسفة والفيزيائيين القدامى الذين ندرسهم اليوم في مدارسنا وجامعاتنا، لم يكن هناك مدارس بوقتها، ولكن استطاعت فئة صغيرة من مجتمعهم العثور على موهبتهم المدفونة وما يحبونه والانطلاق للعمل والتجربة وها نحن ندرس نتائج عملهم واستكشافاتهم بمدارسنا، فكل ما عرفوه هو الحب لشيء ما والعمل الدؤوب له! بهدف ترك إرث يفيد الآخرين. وجدير بالذكر أن طريق ترك الدراسة الذي يسلكه هؤلاء لا ينفي مرحلة التعلم الجامعية، هو فقط يدمجها بالعمل، حيث أنك تتعلم في جميع الأحوال، وهو مجرد طريق للنجاح الإبداعي يتميّز بسرعته، وليس الطريق الوحيد.
ولنكن صريحين مع بعضنا إنك تحتاج أن تكون شخصًا شجاعًا جدًا لفعل ذلك، لأنه ربما يكون مجرد فخ ووهم، أي ربما تظن أنك وجدت ما تعشق القيام به فتترك دراستك وبعدها تكتشف أن ليس هذا ما تحبه، أو يوجد ما تحبه أكثر، فقل وداعًا لمستقبلك! إنه سلاح ذو حدين!

وبالرغم من روعة سرعة هذا الطريق ودمجه لعدة زوايا، فإنه طريق غامض ويحتاج لتضحيات جمة وجهد مضاعف ويعتمد نوعًا ما على البيئة وثقافة المجتمع أكثر من الشخص! ولن تستطيع السير به وحيدًا من دون شركاء مبدعين، والأهم من ذلك أنه لا يشمل جميع التخصصات، لذلك فهو غير مرغوب فيه كثيرًا، فأنصت لقلبك ولفطرتك!

عقلية المبتكر

أما الطريق الأكثر أمانا نوعًا ما هو الذي يسلكه الذين يدرسون بالجامعات وبالفروع التي يعشقونها، وهم أيضًا محظوظون جدًا، فيمكنهم الوقوف على علوم غيرهم وينطلقون من هناك من نقطة النهاية باستمرارية لإكمال العلوم المترابطة ببعضها، هؤلاء أيضًا سيسجلهم التاريخ في فصل الناجحين ولكن غالبًا ليس في فصل المبتكرين، ففي حالة الابتكار لهذه الفئة فإن ذلك يرجع لطريقة تفكيرهم، فالأشخاص الذين يتخذون هذا الطريق مع التفكير النقدي “عقلية المبتكر” التي ترفض قبول الحقائق والعلوم فوريًا من دون التفكير بها والتفكير بتطويرها، فحتمًا سيكتبون اسمهم بفصل المبتكرين، لأنهم سيجدون أفكارًا ونظريات كثيرة خاطئة أو تحتاج لتطوير وسينطلقون للإنتاج، أما الذين يدرسون بعقلية أن كل ما حولهم هو صحيح ومعظّم وثابت أبديًا ولا يمكننا إضافة شيء عليه أو حتى تعديله فلن يستطيعوا تسجيل اسمهم في أعظم فصول التاريخ، فصل المبتكرين!

الطموح والجهد

إن كنت من أولئك الذين يرون النجاح في فهم وحفظ علوم وتجارب أشخاص مثلك هو أفضل نجاح يمكن تحقيقه، وترى أن هدفك من الدراسة هو مجرد الحصول على ورقة “شهادة” لكي تحصل على وظيفة أبدية أو للحصول على لقب دكتور أو مهندس قبل اسمك (حتى إن كنت تحب مهنتك)، فأُهنئك بالحياة الروتينية والمتواضعة بإنجازاتها التي ستحظى بها، وإن كان هذا هدفك فستحققه بسهولة بالغة فهو هدف ملايين الناس الذين لا تختلف عنهم بشيء! أما إن كان هدفك هو التعلم بما تراه مفيدًا وتحبه ومن ثم الانطلاق بهذا العلم لتحقيق إنجازات عظيمة سيتم تدريسها وتعليمها للآخرين غيرك، أو العمل بإخلاص وحب وإفادة العالم ومن حولك، فلا بد أن العالم بانتظارك وبحاجتك! إني أقف لك احترامًا لذلك!
“الحب” و”عقلية المبتكر” و”الطموح والجهد” هذه العناصر هي مضمون الطريق الثاني الذي ذكرته، فإن كنت تصبو لسلك هذا الطريق ودخول مرحلة الدراسة فستحتاج لاكتساب وتبنّي هذه المبادئ الثلاثة ولا تنس أنها ليست كافية لإيصالك لقمم الإبداع ــ فهنالك العديد من الصفات التابعة لها ــ ولكن تأكد وتيقّن أن من دون هذه العناصر الثلاثة لا يتحقق نجاح إبداعي ريادي ساحق!

“الحب” يدفعنا للإيمان وللتعلم و”عقلية المبتكر” وتفكيرنا النقدي يمنحنا التفكير خارج الصندوق والإضافة الجديدة و”الطموح والجهد” هو الوقود الذي ينطلق بنا لتحقيق الجديد وإخراج ما في الداخل إلى الخارج، عناصر ثلاثة متسلسلة يمكنك امتلاك أحدها دون الآخر ــ حيث يمكن كثيرًا أن تنفصل ــ ولكن الفائدة العظمى الإبداعية تأتي من اجتماعها فقط.

ليس الهدف من هذا المقال تقليل أهمية التعليم، بالطبع لا، فالتعليم هو عملية مستمرة للإنسان بطريقة أو بأخرى، ولكن كل ماهنالك هو إيصال فكرة أن العلم هو نتائج للتجارب وليس العكس، وأن الهدف من التعلم والدراسة هو الحصول على أداة ووسيلة مساعدة وداعمة لمستقبلنا وليست هدفًا بحد ذاتها! الكل يتّفق أنه لو كانت الدراسة والتعلم هدفًا يستمر الإنسان بفعله بمنأى عن الإنتاجية لتوقفت عجلة التطور والجديد منذ مئات قرون! النجاح في الدراسة شيء والنجاح في الحياة شيء آخر تمامًا! سوف تكتشف ذلك بنفسك بمجرد خروجك من قوقعة التعليم الجامعي، فشلك في مدرستك أو جامعتك لا يعني مطلقًا أنك إنسان فاشل أو منخفص الذكاء، أرجوك, إياك أن تصدق هذه الخدعة!

وتذكر أن الإنسان المبدع المحب لعمله هو أرقى وأسمى وأندر من الإنسان المتفوق. هل حقًا تظن أن الإنسان الرائع هو المتفوق دراسيًا فقط! إن كان كل ما تطمح له وتعرفه هو أنك متفوق بمدرستك وحائز على مراتب الشرف بالجامعة، وتنتظر الشهادة لتكرّس بقية حياتك في الوظيفة الروتينية، فهنالك عشرات الملايين مثلك ــ الذين لا نعرفهم ــ ولا حتى نتطلع لرؤيتهم، لأنهم احتفظوا بهذا النجاح فقط! نعم, اعذرني على هذه الحقيقة المرّة.

وأخيرًا أتمنى أن تصدقني يا عزيزي بأنه لا يوجد أحد منا لم يعطه الخالق مواهب فذّة، ولكن الشخص الموهوب – وحده – هو ذلك الذي يستثمر فيهم ليصل بنفسه للقمم الإبداعية. لا تقل فات الأوان، الإبداع لم ولن يعرف تخصصًا أو عرقًا قط!

الإبداع هو كل ما حولنا من أمور مادية أو معنوية، إنه مجرد نتائج لتفكير أشخاص مثلنا كل ما فعلوه هو إخراج ما بداخلهم ونشر نتائجهم المستمدة من تجاربهم الخاصة أو التمرد على دراسات ما قبلهم الخاطئة وتصحيحها بنظريات ودراسات جديدة، كل ذلك بسبب حبهم وعشقهم لدراستهم وعملهم.

نعم هذا هو بيت القصيدة، ما أحاول جاهدًا همسه في أذنك, هو كلمة “الحب” فهو وحده من يستطيع منعنا من النظر للشهادة نظرة مادية! الحب هو من يعطينا قيمة التعلم الحقيقية! هو نقطة البداية لكل شيء! هو نقطة البداية للطريق الأول والثاني، دعونا نراهن على حبّنا بدلًا من المراهنة على قدرة حفظنا للمعلومات أو راتب مهنتنا أو المكانة الاجتماعية، إنه رهان أثبت لنا التاريخ بأنه رابح بطريقة أو بأخرى!

هل تتفق معنا بأن التعليم هو وسيلة وليس هدفًا؟ وهل تظن أنه يمكن الاستغناء عن أحد هذه العناصر أثناء مسيرة الجامعة؟ أم أنك تمتلك نظريتك الخاصة حول ذلك؟ شاركنا رأيك بالتعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد