كنت في الآونة الأخيرة منهمك في بناء وتوسعة وتجديد بعض مرافق البيت، وبعد أسابيع عديدة انتهيت والحمد لله، وأصبح علي أن أضع آخر اللمسات الفنية، وبالأخص في ما أعتبره ملاذًا عقليًا وما يختمر فيه فكري وهو مكتبي، ولذلك فضلت أن أزينه ببعض اللوحات الفنية، وأول ما بدر بذهني هو أحد أهم الملهمين والفنانين، ذو شخصية فذة مبدعة مجنونة.

وعندما أنعته بمجنون فأنا بذلك لا أبالغ في وصفه أبدًا فهو الذي أسرني برسائله قبل لوحاته، والتي تدخل القلوب قبل العقول حيث إنها تحرك المشاعر، وهذه صفات كل فنان أو شاعر، ترجعنا رسائله إلي زمن عندما كان الناس يبثون حبهم أشواقهم أحلامهم أمانيهم أفراحهم وحتى أحزانهم بالرسائل، وبالأخص في رسائله إلى أخيه ثيو فهي تبتعد عن التكلف في الكثير من الأحيان، وهي سمة الحديث بين الإخوان، لقد أثرت بي أي تأثير كانت بسيطة جميلة، تبتعد عن خيط الفلسفة في طرف فتلتقي به في طرف آخر دون تعمد منه.

لن ينتهي البؤس أبدًا… وداعًا يا ثيو سأغادر نحو الربيع

إنه فينسنت فان جوخ هذا الفنان الذي كانت رسائله، وكأنها مذكرة تفسيرية للحالة النفسية التي تلم به، والحالة المزاجية التي تشهدها إبداعاته الفنية وكتاباته الأدبية، كان يصف حاله، وكيف يعيش، وكيف يرى كل ما يدور حوله، ونظرته للحياة من على سرير في غرفة صغيرة من إحدى غرف مستشفى للأمراض العقلية،  وكنت أتوقف مسائلًا نفسي بعد أن أقرأ بعضها، وأقول هل من رسم كل هذه اللوحات الجميلة، ودون كل هذا الكم الهائل من الرسائل، وبالتحديد في آخر سنتين من حياته فعلًا مجنون! أم هذا من فرط إبداعه المكنون؟

 

ما من إبداع دون مس من الجنون. هكذا قال أرسطو

يأخذنا فان جوخ إلى مسألة غاية في الأهمية، وإلى سؤال لا يكاد أن يفتأ في الأوساط الثقافية والعلمية منذ أن قالها أرسطو إلى يومنا هذا: 

هل المبدع مجنون؟

 أشهر من وصف وحلل هذه الحالة النفسية هو الدكتور فريدو ويقول: اإن الفنــان انطــوائي مــن الناحيــة المبدئيــة، واإنــه لــيس بعيــدًا عــن العـــصاب، وتتملكـــه حاجـــات غريزيـــة شـــديدة القـــوة فينـــسحب مـــن الواقـــع لأنـــه لا يمتلـــك الوسائل لتحقيقها.

أما الطبيب والمحلل النفسي سيلفانو أريتي فيرى أن المريض العقلي ليس الوحيد الذي يهرب من الامتثال للواقع، بل المبدعون أيضًا يهربون من الأساليب المألوفة في معايشة أحداث العالم وتفسيرها.

وفي هذا الإطار النفسي، ومن الجانب الإبداعي بالتحديد، لا نستطيع أن نغفل رأي الدكتور عبد الستار إبراهيم، والذي دحض هذا المفهوم الذي يجمع بين الإبداع والجنون، بل نسف مفهوم الربط بينهما بكتابه القيم (الحكمة الضائعة) ونشرتها سلسلة عالم المعرفة، والتي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب؛ حيث يقول: المبدعون يتميزون بخصائص إيجابية لا  نجدها بين العاديين كما لا نجدها بين المرضى؛ فهم يميلون إلى الاستقلال في الحكم والرأي، وهم أكثر تقبلًا للعقائد والأفكار المختلفة. ويجمعون خصائص قد تبدو على العين غير المدربة على الإبداع والخلق كما لو كانت متناقضة: فمثلًا تجدهم يميلون إلى الجدية، ولكن دون التخلي عن الفرح والفكاهة، متواضعون، ولكنهم يعتزون بأنفسهم في الوقت نفسه، وميالون إلى الوحدة والعزلة دون التخلي عن حب الناس والميول الاجتماعية.

وبعد أن عرفنا رأي الطب في ما سبق يبقى هناك سؤال آخر في سياق الإبداع لا يقل أهمية عن الأول وهو: 

هل يجب أن يكون المبدع حرًا ليبدع؟

الحرية لا يختلف عليها اثنان في أنها حق أصيل لكل إنسان، بل كل كائن حي في هذه الدنيا يحتاج للحرية، حتى الحيوان إنتاجيته في الغابة تختلف عن وهو في حديقة الحيوان، والزهرة في الحديقة لها رائحة ورونق أجمل من أن تكون في فازة مزخرفة بالألوان، والطير يغرد أفضل الألحان وهو يعانق العنان، فما بالك بالإنسان وهو من يتميز بعقل يتفكر، والفكر لا يحجبه لا حواجز ولا جدران، ولا أكثر السجون تشددًا ولا أعتى سجان، فالكثير من المبدعون أنجزوا أعمالهم إن كانت أدبية أو فنية وهم في غياهب السجون، قابعين خلف قضبان حديدة تحيطها أسوار عالية، بل ولولاها لما خرج أدب يدعى أدب السجون، ومثالنا الذي أتينا به ليس ببعيد عن هذا، فمكوث فان جوخ في المشفى لم يحبس عنه الإبداع، بل تفتق ذهنه فتدفق علينا فنه.

أخيرًا: الحرية سلعة لا تقدر بثمن، والحبس ليس عقبة لبلوغ القمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد