يتخذ مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن اختراع بعض تلاميذ المدارس لمحركات لا تحتاج للبنزين أو اكتشاف آلية جديدة لعمل الصواريخ، أو حل بعض المعضلات الرياضية التي عجز كبار العلماء عن حلها كمادة للسخرية.

يميل آخرون في المقابل للتشكيك في وطنية هؤلاء، واتهامهم بانهزام الروح لعدم تصديق إمكانية ظهور عباقرة محليين أو حدوث اكتشافات واختراعات محلية الصنع. فلماذا يشكك المتخصصون دائماً في جودة وجدية هذه الاختراعات من أول وهلة؟

 

 

كيف يعمل النظام الأكاديمي؟

 

 

يتعلم التلاميذ والطلاب في المراحل الأولى من التعليم في نواحي معرفية مختلفة مما يمنحهم معرفةً موسوعيةً عن العالمِ ويعطيهم الفرصة لتحديد اهتماماتهم والتخصص بها في المرحله الجامعية. يتخصص طلاب الجامعة في دراسة ناحية كبيرة من العلم، ويتم تأهيلهم في الأساس؛ ليصبحوا قادرين على ممارسة مهنة ما بعد إنهاء الدراسة الجامعية بنجاح. يميل البعض إلى التعمق أكثر في تخصص ما، فيقومون بالتقدم للدراسات العليا كما في الماجستير والدكتوراه. و تعتبر الدكتوراة هي الحد الفاصل في حياة كل أكاديمي؛ لأنه يتخصص بشكل دقيق في الموضوع الذي تتمحور حوله رسالة الدكتوراه. ويفترض به في هذه النقطه من حياته أن يكون ملماً بالعلم الذي تخصص فيه، وأن يكون بدراسته للدكتوراة قد أضاف شيئاً جديداً، وإن كان ضئيلاً جداً بالمقارنة بالحصيلة المعرفية المتراكمة من جميع الدراسات في هذا التخصص.

والتوضيح التالي منقول ومترجم بتصرف من مدونة مات مايت, أستاذ علوم الحاسب بجامعة يوتاه الأمريكية.

 

ماذا بعد؟

 

 

 

لكي يحصل الأكاديمي على درجة الأستاذية، يتعين عليه بعد الحصول على الدكتوراة مواصلة البحث العلمي في تخصصه ويكون ذلك في التخصصات العلمية والهندسية غالبا بعمل تجارب عملية والحصول على نتائج منها. وهنا يبرز السؤال الأكثر جوهرية في هذا السياق. كيف يتم الحكم على جودةِ التجربةِ وبالتالي مقدار الثقة في النتائج؟

لابد أن تتوافر بعض الشروط في البحث حتى يتم الحكم عليه بأنه “بحث جيد”. يجب أن يحدد الباحث أولاً الهدف من إجراء التجربة، وأن يصف بدقة متناهية الطريقة المتبعة في إجرائها وكيفية جمع المعلومات بعد ذلك وتسجيل الملاحظات. يجب ألا يكون الباحث بأي حال متحيزاً لنتيجه دون الأخرى مما سيؤثر بالضرورة على الثقة في النتائج.

يتعين بعدها على الباحث أن يشرح وبالتفصيل ما حصل عليه من نتائج، ويذيل بحثه بمناقشةٍ وافيةٍ لهذه النتائج، وكيف تساهم في حل المشكلةِ المطروحة من الأساس في عنوان البحث. من أهم الشروط التي يجب أن تنطبق على كل بحث جيد أنه يمكن تكرار إجراء نفس التجربة والحصول على نفس النتائج كل مرة.

 

 

من يقوم إذاً بالحكم على البحث؟

 

 

 

ينشر البحث في واحدةٍ من المجلات العلمية المتخصصة، والتي تهتم بموضوع البحث، يقوم النظام الأكاديمي على مراجعة الأبحاث من قبل زملاء متخصصين (Peer Review) في نفس العلم والتخصص الدقيق و تتم عملية المراجعه بعد أن يقوم الباحثون بإرسال البحث لمحرر المجلة وفي الغالب دون معرفة المراجعين بأسماء المساهمين في البحث حتى لا يؤثر ذلك على حيادية التحكيم.

يوجد المئات من المجلات العلمية والتي تصدر بشكلٍ دوري وتقوم بنشر المساهمات العلمية من الباحثين على مستوى العالم. ويتم ترتيب المجلات في كل تخصص على حسب تأثيرها في الأبحاث المنشورة في التخصص، ويتم معرفة ذلك من عدد المرات التي استخدمت فيها هذه المجلة كمرجع في أبحاث أخرى، ويسمى ذلك معامل تأثير المجلة (Impact Factor). بعد أن ينشر الباحث عدداً من الأبحاث يمكن أن يحسب له معامل تأثير بنفس طريقه حساب معامل تأثير المجله.

وربما تكون قد سمعت بالمجلات التي تحتل رأسَ القائمةِ، مثل: دورية Nature أو مجلة Science ، اللتين تصدران بالانجليزية، مثل أغلب المجلات العلمية لتوسيع دائرة القراء. وتتولى العديد من الهيئات والمنظمات حساب معاملات التأثير وترتيب المجلات منظمة، ومن أشهرها مؤسسة طومسون رويترز Thomson Reuters، والتي تصدر قائمه بترتيب المجلات كل عام. كما يمكنك الاطلاع على مساهمات العلماء بواسطة محرك البحث العلمي Pubmed أو شبكة Researchgate.

لا يخلو النظام القائم في تحكيم الأبحاث وتقييم الباحثين والدوريات على أساس معامل التأثير من الثغرات، ولكنه يعتبر تحت الظروف الحالية هو الأفضل.

 

 

 

أين الاختراع إذاً؟

 

 

 

بعد أن يواصل الأكاديمي نشرَ أبحاثهِ قد يصل بعد مدةٍ تطول أو تقصر، ولكنها تقترب من 10 سنوات في الغالب إلى أن يحصل على الأستاذيةِ في تخصصه. ورغم أن آلاف الأبحاث تنشر سنوياً فإن قليلاً منها قد يؤدي إلى طفرة في العلوم الأساسية أو إلى اختراع مفيد قابل للتطبيق والاستخدام والتأثير المباشر على حياة الناس.

أي أن أغلب الأساتذة والأكاديميين يقومون بإضافة القليل دائماً للرصيد المعرفي في علم ما دون الوصول – غالباً- إلى تطبيقٍ يمكن استخدامه كمنتج نهائي. عندما ينشر الباحث فكرةً ما تصلحُ للتطبيق، عندها تتبنى الصناعة الاختراع (طبعا من منطلق رأسمالي مصلحجي بحت) وتقوم باستكمال مراحل تجريبة تالية في معامل البحوث والتطوير الخاصةِ بها  (R&D, Research and Development) وأخذ الموافقات الخاصةِ باستخدامه (في المجالات الطبية وقد تصل المدة بين بداية العمل على دواء جديد وإمكانية استخدامه للمرضى إلى 10 سنوات أو يزيد).  وطبعا يتكلف ذلك بلايين الدولارات. للمزيد في هذا السياق اقرأ هنا! هل يمكن تخطي السلسلة المعرفية للعلوم والقفز مباشرةً إلى اختراعات أو اكتشافات علمية جديدة؟

في رأيي لا يوجد طريق مختصر للوصول للأهداف، بل يصل الناس للاختراعات العظيمه بسلوك الطرق الوعرة، وبذل الجهد اللازم، ثم انتظار التوفيق بعد ذلك. يمكنك ببساطة أن تراجع قائمة الحاصلين على جائزة نوبل، وأين يعملون كما يمكنك الاطلاع على مساهماتهم البحثية، والتي أدت إلى حصولهم على الجائزة، ويمكنك بعدها الإجابة عن هذا السؤال.

 

 

أين نحن؟

 

 

يهاجر الكثير من الدارسين للدولة المتقدمة حيث يجدون بيئه علمية صالحة للتعلم ومناسبة لنمو مواهبهم فينجح منهم الكثيرون. ورغم ضعف الإمكانات في الجامعات المصرية بالمقارنة مع باقي دول العالم المتقدم، فإنها تخرج الكثير من الأبحاث الجيدة التي تنشر في دوريات علمية جيدة. و مع ذلك يواجه الباحثون في مصر الكثير من التحديات.

إذاً في المرة القادمة التى تسمع فيها عن أحد الاختراعات الجديدة، عليك أن تسأل الأسئلة الصحيحة:
– من الذي اخترعه وأين يعمل؟ هل هو متخصص؟ وهل له أبحاث منشورة في هذا المجال؟

– هل تم نشر البحث في مجلة محكمة دوليا؟ ما هو معامل تأثير المجله إذا؟

– هل تبنت إحدى الشركات الاختراع الجديد للاستفادة بالسبق العلمي، دون غيرها من الشركات المنافسة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد