«إننا ننتمي إلى أمة لا تحترم مبدعيها، وإذا فقدنا غرورنا وكبرياءنا تدوسنا أقدام الأميين والجهلة»، لم أملك إلا استدعاء تلك الجملة التي خطتها الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي في روايتها الأكثر روعة «ذاكرة الجسد» حين رأيت مشهد النائب «أبو المعاطي» مع الرئيس السيسي في دمياط.

لا تملك سوى المقارنة بين المشهدين، هذا الرجل الذي سكت وطأطأ الرأس في حضرة الرئيس – ولا أناقش تصرفه – كان منذ أشهر قليلة صاحب صوت عالٍ تحت قبة البرلمان يسب نجيب محفوظ وأعماله واصفًا إياها بأبشع الصفات، هكذا كانت الصورة، تجرأ على «أديب نوبل» وصمت أمام الرئيس وبعيدًا عن حساباته الخاصة فإنه أوضح صورة الأمة التي لا تحترم مبدعيها.

وتاريخ الاعتداء على المبدعين – والحديث عن المبدعين فقط – طويل، فهذا نجيب محفوظ حين كتب «أولاد حارتنا» كان نصيبه منع طبعها في مصر بـ«اتفاق ودي» بحسب أصدقائه، ثم محاولة اغتياله وهو في أرذل العمر لأنه خرج عن السياق.

وهنا أمل دنقل الذي قال «لا» فلم تغفر له الدولة صرخته التي رددها معه آلاف الغاضبين ضد اتفاقية كامب ديفيد، فتركته وزارة الثقافة كما تروي زوجته عبلة الرويني في «الجنوبي» فريسة المرض والفقر وحتى حين قدمت إليه شيئًا كان مشوبًا بالبروباجندا التي رفضها ابن الصعيد مفضلًا الموت بعزة وكرامة عن الحياة في كنف السلطة.

وهنا أحمد فؤاد نجم الشاعر الذي احتفت به دول العالم وكان محل تكريم أينما حل، سجنته بلاده خلف القضبان وإن كان «الفاجومي» تقبل كل ذلك بصدر رحب إلا أن وجوده داخل سجون المحروسة كان دليلًا أننا لا نحترم مبدعينا حقًا.

ومن «نجم» إلى الدكتور إسماعيل صبري الذي قضى حياته يكشف زيف جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسهم الإخوان وماذا يمكن أن يحدث في حال تولوا السلطة، لكن الدولة كالعادة لم تنتبه لما يقول، تركته يكتب ويكتب ويكتب، يصرخ دون آذان تصغي، حتى مات ففوجئت الدولة بأن كل ما كتبه الرجل قد تحقق وأن الدولة الآن تسخر كل إمكانياتها من أجل مواجهة تلك الكارثة، ألم يكن أوفر احترام المبدعين.

ولأن الحكمة تقول «التاريخ يكرر نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية مهزلة» فإن الأمر لم يقف عند حد فاستمر ولكن تحت قوانين تكبل من يحاول الخروج عن الصف، الحسابات السياسية هي من تطغى على كل شيء وإسكات المبدعين ورقة يمكن من خلالها كسب شعبية في أوساط البسطاء الذين يرون في كل خروج عن المألوف «كفرًا بواحًا».

قائمة المبدعين طويلة ولا تنتهي وإن كان هذا ليس مقامها فكل ما سبق ومضات على الفرق بين السياسي والمبدع، الأخير مُهان على كل الألسنة لا حرس يحميه ولا سلطة تردع مخالفيه، أما الثاني فيقول كلمته ويمشي لكن لا أحد يتركه في حاله.

«أنت مين.. أنت دارس الموضوع اللي بتكلم فيه» ربما عبارة صادقة إن خرجت من أي مسئول لـ«أبو المعاطي» حين انتقد نجيب محفوظ، إذ إنه بحكم وظيفته عضوًا لمجلس النواب ربما قد اطلع على الحالة الاقتصادية، أو درس الموضوع الذي تحدث فيه من تأجيل رفع الأسعار وتحديد حد أدنى للأجور، لكن الذي لا خلاف عليه أنه لم يدرس لا من قريب أو بعيد الرواية العربية، لا يعرف شيئًا عن الحبكة والأسلوب، لم يشتم في يوم حواري «محفوظ» ورغم ذلك تحدث و«فرد صدره» ولم يقف له أحد، ولم يقل له أي مبدع «أنت مين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد