الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد و على آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا وأتنا من لدنك توفيقا وسدادًا وصوابًا.

العقيدة من أشرف العلوم على الإطلاق لأنها تتحدث عن الله وصفاته وأسمائه ووجوده وعن رسله وكتبه وملائكته، كما أن لتعلم علومها أهمية قصوى، كقبول الأعمال الصالحة، ثم ليكون التدين بالإسلام صحيحًا، ولتسهل الاستقامة فرسوخ الإيمان يذيق طعم التمسك بالدين حلاوة في الصدر، ثم ليتعدل المسلم المؤمن الموحد لله في تمسكه بالدين ولاينحرف مع الغلاة أو الجفاة، ولتصح معرفته وليصح تصوره لنفسه وللكون والحياة، فأركان الإيمان تعرفك بحقيقتك وسر وجودك وحقيقة الدنيا والكون، وكذلك لتصلح جوارحه فرسوخ الإيمان يصلح الجوارح فيدفع لفعل الخير وترك المنكر، وأخيرًا للفوز في الآخرة بجنة عرضها السموات والأرض.

قبل المرور إلى تعريف العقيدة والإعجاز في الدين الإسلامي، سوف نقف قليلًا مع تعريف الدين أولا، فالدين في اللغة العربية مشتق من الفعل دان، ودان له حالاتان الأولى أن يكون متعديًا بنفسه فيكون دانه أي ملكه وأخضعه، والثانية متعديًا إلى من يضاف إليه بصله، والصله إما أن تكون اللام أو الباء، فيكون إما انقاد به وخضع به أو انقاد له وخضع له، إذًا الدين في اللغه معناه يدور حول الانقياد والخضوع.

أما الدين اصطلاحا فهو علاقة مقدسة بين ذاتين إحداهما تملك وتسوس وتقهر والأخرى تخضع وتنقاد وفق شريعة بينهما، وعليه فإن تعريف الدين الإسلامي هو عبادة الله وحده لا شريك له بالدين الخاتم الناسخ الذي جاء به محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام من عند الله تعالى في جميع مناحي الحياة.

قال تعالى في سورة الزمر الآية 14 قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي، ومعنى الآية الكريمة هو قل – أيها الرسول – إني أعبد اللّه وحده لا شريك له مخلصًا له عبادتي وطاعتي، فاعبدوا أنتم – أيها المشركون – ما شئتم من دون اللّه من الأوثان والأصنام وغير ذلك من مخلوقاته، فلا يضرني ذلك شيئًا. وهذا تهديد ووعيد لمن عبد غير اللّه، وأشرك معه غيره. قل – أيها الرسول – إن الخاسرين – حقًا – هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك بإغوائهم في الدنيا وإضلالهم عن الإيمان. ألا إن خسران هؤلاء المشركين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هو الخسران البيِّن الواضح.

من هنا نستخلص ثلاثة مراتب للدين الإسلامي، أولهما الإسلام، ويتحقق بمجرد إذا نطق اللسان بالشهادتين عالما بمعناهما ملتزما بمقتضاهما، فيكون بذلك قد صعد المرتبة الأولى في الدين الإسلامي، ثانيهما الإيمان وهو إذا امتلأ القلب إقرارًا وإيمانًا باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فيكون المسلم قد صعد المرتبة الثانية من مراتب الدين الإسلامي.

قال تعالى في سورة الحجرات الآية 14 {۞ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ومعنى الآية الكريمة قالت الأعراب (وهم البدو): آمنا باللّه ورسوله إيمانًا كاملا قل لهم -أيها النبي-: لا تدَّعوا لأنفسكم الإيمان الكامل، ولكن قولوا: أسلمنا، ولم يدخل بعدُ الإيمان في قلوبكم، وإن تطيعوا اللّه ورسوله لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا. إن اللّه غفور لمن تاب مِن ذنوبه، رحيم به. وفي الآية زجر لمن يُظهر الإيمان، ومتابعة السنة، وأعماله تشهد بخلاف ذلك.

ثالثهما الإحسان، والإحسان لا يتحقق إلا إذا عبد المسلم المؤمن الله كأنه يراه أمامه أو مستشعرًا رقابتة عليه، فيكون بذلك قد صعد المرتبة الثالثه وهي مرتبة الإحسان.

للدين الإسلامي له جانبان، الجانب الباطن المتعلق بالقلب وهو الغيبيات ويقوم على ستة أركان، وهي الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، وهذا الجانب يسمى بجانب الإيمان، ويسمى في الدين الإسلامي بالعقيدة، وهناك كذلك الجانب الظاهر المتعلق بالجوارج ويقوم على خمسة أركان، وهي: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، والحج. هذا الجانب يسمى بالإسلام، ويسمى أيضًا بالشريعة الإسلامية.

أما الأن وبعد هذا التقديم، سوف نمر بإذن الله تعالى إلى العقيدة، لغة مأخوذه من العقد وهو الجمع بين أطراف الشيء، أما اصطلاحًا فهي الإيمان الجازم الذي لا يقبل الشك بالأمور التي يدين الإنسان بها ولها، رغم أن مصطلح العقيدة ليس واردًا في الكتاب والسنة، لكن معناها اللغوي وارد وما يطالب به الناس لاعتقاده وارد في الكتاب والسنة لذلك فمصطلح العقيدة ليس مصطلحًا بدعيًا، ومن مرادفات لفظ العقيدة، نجد التوحيد، السنة، أصول الدين، الفقة الأكبر، الشريعة والإيمان. ولهذا فالعقيدة الإسلامية يراد بها مايراد به في الحديث الوارد في حديث جبريل عليه السلام فهي الجانب الغيبي من الدين الإسلامي والمتعلق بالقلب والذي يقوم على أركان الإيمان الستة، أما الشريعة الإسلامية فيراد بها ما يراد بالإسلام الوارد في حديث جبريل عليه السلام وهو الجانب الظاهر من الدين المتعلق بالجوارح القائم على أركان الإسلام الخمسة.

قال تعالى في سورة النساء الآية 136 : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، صدق الله العظيم، ومعنى الآية الكريمة هو يا أيها الذين صدَّقوا اللّه ورسوله وعملوا بشرعه، داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم باللّه تعالى وبرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم، ومن طاعتهما، وبالقرآن الذي نزله عليه، وبجميع الكتب التي أنزلها اللّه على الرسل. ومن يكفر باللّه تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب، فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق.

إذًا نستخلص من هذه الآية الكريمة بأن الله تعالى يأمُر عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشُعَبِه وأركانه ودعائمه، وليس هذا مِن تحصيل الحاصل، بل مِن باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته، والاستمرار عليه؛ وهذا ينسجم تمامًا مع قول المؤمنين: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في كل صلاتهم عند قراءتهم لسورة الفاتحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد