قضية التكفير هي قضية بالأساس دينية بحتة، لم ننكر وجودها لكن ننكر العبث والحديث فيها ليل نهار في غير موضعها؛ لأن ضررها أكبر كثيرًا من نفعها، وخاصةً إذا تخطى الحديث المتخصصين وأصبح حديثًا للعامة.

ظهور بعض المشايخ الكرام على بعض القنوات الفضائية في هذا التوقيت زاد من تعقيد وتعميق الخلاف، منهم من تحدث في سياق تفسير لبعض آيات القران الكريم، ومنهم من ناقش القضية في حديث إعلامي دون معلومية جدوى الحديث عن ذلك في هذا التوقيت.

أحاول هنا الفصل بين الاشتباك دون التفصيل في أمر الأديان والتكفير، الفصل بطرح نقطة جوهرية قد تفك الاشتباك إذا أخذت مجالًا للنقاش والطرح في المجتمع دون الخوض في تفاصيل دينية أو أحكام شرعية، أو ذكر آيات من القرآن الكريم أو ما يماثلها من أديان أخرى.

النقطة الجوهرية هذه معلومة للجميع لكنها تندثر أو توارى عمدًا، فهي ببساطة التفرقة بين شقين منفصلين متصلين أنزلهما الله عز وجل بجميع الأديان وهما: العقيدة، والمعاملات.

جميع الأديان الصحيحة المنزلة من الله عز وجل تدعو إلى أمرين اثنين وإن اختلف اللفظ والنص، لكن الأمرين لا تجد بين الأديان فيهما خلافًا، وهما بكل بساطة أن جميع الأديان تدعو أولًا إلى عبادة الله الواحد لا شريك له، والأمر الثاني إعمار الأرض.

الأمر الأول بكل بساطة يمثل العقيدة، وهي أنه لا إله إلا هو إله واحد خالق وقادر، لا شريك ولا بديل له.
أما الأمر الثاني أيضًا ببساطة يمكن أن يمثل المعاملات، إعمار الأرض تجد بداخلها المعاملات بين كل فئة، وكل مجتمع للوصول للأفضل والإصلاح والإعمار.

في شق العقيدة وأمر وحدانية الله، تتفق كل الأديان أن هذا الكون له خالق واحد وهو إله واحد (الله عز وجل) معي تخيل.
إن الله عز وجل خالق كل شيء ما نعلم وما لم نتوصل له بعلمنا ولا عقولنا، أنزل أديان تكون بها رسالات لكل البشر للأمر والنهي والإرشاد، هل لك أن تعتقد أن الله عز وجل يمكن أن ينزل من الرسالات والأديان ما يدعو به أمة أو مجموعة من البشر إلى عبادة إله آخر غيره هو في الأساس من مخلوقاته عز وجل، كيف يستقيم ذلك؟

ثانيًا: كيف يستقيم أن ينزل الله عز وجل تضاربًا بين الأديان في أمر عبادة إله، خلق الكون كله ثم أنزل رسالات تدعو بالتضارب بين عبادته إله واحد لا مثيل ولا شريك، وأخرى تدعو إلى عبادة بشر أو أي من خلقة، أظن أنه خارج حدود العقل والمنطق.

الله عز وجل أنزل كل الأديان لها نفس الهدف (وحدانية الله وعبادته)، قد يختلف النص واللفظ، كل الأديان لا يوجد بها تضارب أو تنازع لكنها تأتي جميعًا مكملة بعضها بعض، كل رسالة من رسالات الله عز وجل جاءت تستكمل ما جاء بالرسالات التي قبلها، حتى جاءت خاتمة الرسالات القرءان الكريم وخاتم الأنبياء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

بل كل دين لا بد أن يعترف بما قد جاء من قبله وبكل الرسلات والأنبياء حتى تصح عقيدته، في الإسلام على سبيل المثال لا يمكن للمسلم أن يصح ويكتمل إيمانه إلا إذا كانت عقيدته تؤمن وتصدق كل الأديان والرسالات السابقة، وبكل أنبياء الله، لا يمكن أن يصح إسلام فرد دون الإيمان بأن عيسى عليه السلام هو نبي الله بشر وله خاصته، وأن الإنجيل رسالة من رسالات الله للبشر، هكذا كل الأديان (دون تحريف) وكل الأمم.

لا يمكن لدين أن تكون دعوته لعبادة أي شيء (بشر، حيوان، جماد… إلخ) إلا وأنه دين من عند غير الله، دين محرف أو موضوع بأيد مخلوق، لا يمكن أن يكون دينًا صحيحًا من صنع الخالق الواحد.

هذه النقطة يأتي الخلاف بين العقائد والأديان أو بشكل أدق الخلاف بين أتباع الأديان؛ لأن الأديان جمعًا لا يوجد بينها خلاف في أن الله واحد عز وجل، لا يكون له شريك أو بديل.

أما في شق المعاملات، وهو الأمر الثاني الشامل (إعمار الأرض)، يشترك فيها كل خلق الله وليس البشر فقط، تجد أن الله عز وجل خلق النبات والحيوان والأنهار والجبال وغيرها كلها في خدمة الإنسان ليقوم الإنسان باستخدامها في إعمار الأرض، قد نختلف في الآراء في الميول في الحب والكره، لكن جميعنا مأمورون من الله عز وجل بإعمار الأرض حتى مع اختلاف عقائدنا الدينية، وإن كانت فئة لا تدين بأي دين ولا تؤمن بوجود إله من الأساس.

هل يمكن أن تجد في التناحر والتشاجر بين البشر إعمارًا للأرض، أظن أنكم مثلي على يقين بأن التناحر والتشاجر لا يمكن أن ينتج غير الخراب والفساد، هنا تجد المعاملة بمفهومها الواسع.

لذلك بعد أن أمر الله بإعمار الأرض أمر بحسن المعاملة بين كل البشر، أيًّا كان مكانه ولونه ولغته بل وعقيدته، إن كان يؤمن بأي من الرسالات أو لا يؤمن بذلك، كانت دعوة حسن المعاملة للكل بمجرد إنسانيته، بذلك يمكن أن يستقيم الأمر وان تعمر الأرض.

كل الأديان تدعو إلى حسن المعاملة مع كل البشر مع اختلاف عقيدتهم، لا يوجد رسالة تدعو إلى القتل أو الاضطهاد بأمة بسبب إيمانها المخالف لإيمان أمة أخرى، لكن تدعو لحسن المعاملة وترك العقيدة والعقاب على الله عز وجل، لكن مع هذا أمر الله الجميع بأن يدعو كل من لديه عقيدة ليست على أساس الصواب أن يستقيم، وأن يؤمن بوحدانية الله، ووجود كل الرسالات وكل الأنبياء، والإيمان بأن خاتم الرسل هو رسول الله محمد عليه الصلاة السلام.

ساعد وللأسف في خلق الأزمة ثلاثة أسباب رئيسية (الإعلام، والجهل، والتطرف) قد لا يسع المجال التفصيل في الثلاثة أسباب، وكيف ساعدت كل منها في خلق الأزمة وتوسيع دائرة الخلاف، لكن يكفي كلمات بسيطة.

فقط للإعلام، وللأسف في بلدنا الإعلام موجه بشكل واضح، لون واحد محدد له من قبل مؤسسات ورجال بالدولة، يتم أمره بفتح قضية معينة وسحب المجتمع بكامله لها، إما بسبب تأجيج الخلاف، أو لصرف الأنظار عن قضايا أخرى أكثر أهمية، إعلام عن قصد لم يبرز هذا الفصل بين العقيدة والمعاملة؛ بل يزيد الأمر سوءًا بأن يأخذ العقيدة إلى منطقة المواءمة من أجل وحدة الأمة والشعب.

الأمر المهم والأخطر في هذه القضية والذي ساعد الإعلام في وجوده بشكل كبير هو الخلط بين التكفير وإباحة الدماء، هذا خلط متعمد ولا يوجد فيه شيء من الصحة، ولا يوجد دليل واحد صحيح في الإسلام يدعو لقتل المخالفين في عقائدهم عن الإسلام، وعلى يقين كامل بأن كل الأديان الصحيحة أيضًا لا يمكن أن تدعو إلى إباحة دم إنسان لمجرد كفره بعقيدة أو رسالة؛ بل الأكثر بكفره بالله عز وجل، وهذا يتضاد تمامًا دعوة الله لحسن المعاملة؛ بل الأكثر دعوة الله عز وجل كل البشر لإعمار الأرض.

إذا كان المجتمع جاهلًا بمعنى الكفر بالعقائد المخالفة، ويقوم بخلط بجهله بين الكفر وإباحة الدماء، فذلك ليس بعيب في الشريعة بأحكامها أو في العقائد، إنما العيب الحقيقي هو التمسك بجهل المجتمع والالتفاف واللعب بالعقائد، لا يمكن التنازل عن صلب الدين العقيدة بسبب جهل المجتمع بل الواجب والفرض أن نتمسك بأحكام الشريعة وثبات العقيدة، وفي نفس اللحظة نعمل على زوال الجهل، زوال الجهل وليس زوال العقيدة.

لا يمكن لنا التهاون ولا المحابة في العقيدة لأنها الأصل، مع التمسك بحسن المعاملة واختيار بعناية كيفية الحديث عن عقائد الآخرين، حديث المشايخ أو القساوسة عن عقيدة كل دين لها مجالها ومكانها وعلمائها، لا يمكن أن تكون في كل وقت وأي مكان أو منبر إعلامي إلا في حدود ضيقة لا تقبل للالتفاف والمحابة، العقيدة واضحة راسخة لا تقبل التفاوض، أما المعاملات تقبل لكل شيء بشروط وحدود حسن المعاملة.

لا يمكن أن تثق في شخص يرفض الفصل بين التمسك العقيدة، وحسن المعاملة، لا يمكن أن تثق في شخص يخشى الحديث بصدق في العقيدة أمام الجميع إذا ادعى الموقف لذلك مع تمسكي بأن الحديث له ضوابط وأماكن، لكن إذا ادعت الضرورة لا يمكن المحابة واللعب على الأحبال.

في النهاية، بالحكمة والعقل لمن يدعون لإعمال العقل دائمًا وإعطائه قوة تفوق قوة النص، والأصل في الثوابت الدينة، الشجرة التي ينخر السوس في أصلها لا يمكن أن يستقيم فرعها، ألا تعتقدون أن من الحكمة والعقل أن التخلي عن الأصل هو مدعاة للتخلي عن الفرع، بوضوح إن العقل يقول بأن من تخلى عن العقيدة لا يمكن أن يؤتمن على حسن المعاملة مع من يختلف معه في العقيدة.

تمسك بعقيدتك ولا تلتف أو تحابي من أجل شعارات زائفة، مع تمسكك بحسن المعاملة لكل البشر دون التمييز بين أي منهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد