مشهد يحاكي مشاهد الحروب الأهلية بين الهوتو والتوتسي في أوغندا، أو مشاهد السينما حينما تصور سبايا الحروب الإسبرطية في اليونان قبل الميلاد.

لم يكن المشهد أقل مأساوية فعلًا، هناك الحروب قد تلغي ما يسمى بالإنسانية، لكن هنا من الممكن أن تلغى حتى في وقت السلم، تخيل سيدة كبيرة في الستينيات تُجرَّد من ملابسها، وتسحل في الشارع لأي سبب كان، لا يوجد سبب، حتى في الحروب فأعتقد أن المشهد سوف يكون أقل في الحدة، بحكم أنها حرب ومن الممكن أن يحدث أي شيء في الحرب. الحديث عن غياب الدولة أو عدمه لا يفيد بشيء، وأعتقد أنه من المعلوم بالضرورة في الدولة التي تعيش فيها أنها أبعد ما يكون عن فكرة الحرية الدينية أو الشخصية أو غير ذلك من أشكال التعايش السلمي التي أنتجتها المجتمعات الحداثية في سلم تطورها الإنساني.

الحادثة والحوادث التي سبقتها بداية حادثة السادات الشهيرة من غسيل (غسيل المواطن الذي ينقط على غسيل مواطن آخر)، وحتى حوادث قريبة كان التبرير الجاهز لها هو أن الأديرة والكنائس بها أسلحة، وهو ما جعل الإسلاميين في الصعيد يحرقون الكنائس بعد فض رابعة، وحتى حوادث التهجير القسري العديدة التي يتخذ قرار التهجير فيها في الجلسات العرفية، بوجود ممثلين للدولة وتحت إشراف الداخلية، ومباركة الدولة التي تقول إنها مدنية وليست دولة دينية! الحوادث تلك وغيرها الكثير تستدعي التفكير في جدوى الشعارات السابقة مثل الهلال مع الصليب، والوحدة الوطنية، وبالمناسبة كثير ممن يدعون أنفسهم بالتنويريين المصريين هم مع هذا الشعار، وهذا يبدو نوعًا من تقديس العلمانية الدينية، أيضًا التساؤل حول دور المؤسسات الدينية مثل الأزهر والكنيسة في تفاقم الوضع الحالي. وتساؤلات أخرى كثيرة يجب أن يجاب عنها، إذا ما أردنا فعلًا دولة مدنية.

 «جزء كبير من الرجعية التي نعيش فيها هي من إنتاج الدولة المدنية ذاتها!».

العلاقة بين الدين باعتباره مكونًا اجتماعيًا يمتد جذوره مع الفتح العربي لمصر منذ 1400 عام وأيضًا قبل ذلك في مصر القبطية كان الدين مكونًا اجتماعيًا هامًا، وبعد عمليات التحديث القسري التي طالت المجتمع ظل الدين مكونًا اجتماعيًا وسوف يظل مكونًا اجتماعيًا، وحتى في أكثر الدول علمانية الدين مكون اجتماعي هام، لا أحد يختلف على دور الدين.

لكن الحديث هنا حول مؤسساتية الدين، وليس الدين ذاته.

عن الحق في إصدار صكوك ونسخ الدين من المؤسسات فقط، سواء مؤسسات تابعة للدولة (الأزهر والكنيسة)، أو من مؤسسات أخرى (الجماعات السلفية، والإخوان) وأخرى، نسخة هؤلاء من الدين تختلف كل الاختلاف عن النسخة الشعبوية من التدين، تلك النسخة التي تهتم أكثر بعلاقة الإنسان الروحية مع الخالق، وليست ترتيب أولويات أعداء الدين في المقام الأول. الأديان المؤسساتية هي أبعد ما يكون عن تلك العلاقة الروحية، فهي مهتمة بالتوجيه الاجتماعي ومحاولات الهندسة الاجتماعية للمجتمع على أساس نسخته من الدين التي تخدم في الأساس مصالح من يدفعون المال ليستمر هؤلاء في تقديس الرجعية، والتأكيد على الوحدة الوطنية، ليس هناك وحدة وطنية في ظل رجعية، فالدول الرجعية لا يمكن بأي حال من الأحوال بناء تلك الأطر من التعايش السلمي بين الفئات الاجتماعية والدينية المختلفة، الرجعية في أصل فكرتها هي قائمة على الإقصاء وليست على التعايش السلمي والتوافق.

الحديث عن الرجعية في مصر لا يقتصر فقط على جماعات الإسلام السياسي وإنما يمتد لتكوينات اجتماعية أخرى على رأسها دولة يوليو التي وظفت بسذاجة أو عن قصد شعارات الوطنية المصرية في ثورة 1919 لتكون نواة لتعاملها مع الأقلية المسيحية في مصر، وأيضًا جزء كبير من المشكلة في وجهة نظري أن تلك الدولة – بحكم تكوينها وتكوين مشروعها للحكم في جو عام محافظ ومجتمع مؤمن بشكل كبير بالشعارات السابقة والتي أنتجتها فترة مقاومة المستعمر الأجنبي في مصر – تلك الدولة لم تكن قادرة على الدفع في اتجاه المفاهيم الحداثية الأكثر جذرية مثل العلمانية الصريحة أو فصل الدين عن المجال العام.

حتى عندما حاولت الدولة الناصرية التغيير في المفاهيم تلك والشعارات بحكم حملها لمشروع قد يكون تقدميًا بعض الشيء زادت الطين بلة. فعبد الناصر عندما حاول أن يطور فكرة التعليم الديني في الأزهر أدخل العلوم الطبيعية وتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية، وهو ما دفع الكثير من أبناء الطبقة الفقيرة أو الأقل من الوسطى للدفع بأبنائهم لتلك المعاهد لأنها تجمع بين العلم الديني والدنيوي، ليخرج لنا مجموعة من المشوهين دينيًا ودنيويًا.

جزء كبير أيضًا من الأزمة تتحملها حركات الإسلام السياسي والتي استطاعت في غياب دور الدولة في الصعيد بالذات أن تنتشر وتنشر أفكارها عن طريق تبنيها لخطاب ديني يلاقي قبولًا كبيرًا من قطاعات عديدة من أبناء الصعيد، بحكم تهميش الدولة لهم، فمثلًا المستشفيات الدعوية، ومدارس الدعوة الإسلامية، وجمعيات الشبان المسلمين وغيرها ممن يقدمون الخدمات التي تراجعت الدولة عن تقديمها في الصعيد على وجه الخصوص، كانت بمثابة الإشعاع الذري لذلك الفكر السلفي الوهابي، بأجنحته المختلفة.

 «الممارسات القروسطية هي السائدة في الدولة والمجتمع».

كما أسلفت فالحديث عن التقدم والحداثة لا يتم بممارسات القرون الوسطى على مستوى المجتمع والدولة، غالبًا فمنذ دستور 1971 تتنافس مصر والمملكة العربية السعودية على تصدير الرجعية والإرهاب للعالم، وللمفارقة المضحكة المبكية في الدستور المصري أنه ما زال يحتفظ بمادة أن الإسلام هو دين الدولة، ونظام الدولة القضائي فعلًا هو أقرب للعصور الوسطى التي تحاكم فيها الكنيسة من يخرج عن تعاليمها، والمجتمع في مجمله يحمل كراهية مكبوتة للمكون المسيحي الذي اعتقد على مدار الـ40 عامًا المنصرمة منذ صعود الإسلام السياسي أنه ليس مصريًّا وليس وطنيًّا، وكفرة ولا يستحيون ويقبل بعضهم بعضًا في الكنيسة يوم الميلاد، حتى إنك تجد أساطير أكبر من نوعية أنه حينما يولد الطفل المسيحي، فالتعميد هو لإزالة الإسلام من قلبه، أو الأساطير الحديثة نسبيًّا أن المسيحيين يحملون أرقام هاتف 012 لأنها شركة مسيحية، وأنهم يكرهون المسلمين، أو أن المسيحيين لا يجب أن يدخلوا المخابرات العامة لأنهم من الممكن أن يبيعوا أسرار البلد، والأساطير حول أن المسيحيين كلهم أغنياء، (عمرك شفت شحات مسيحي). وهناك أيضًا أساطير على الجانب الآخر.

إن دل السابق على شيء فإنه يدل على غياب معرفة بالآخر، وأبسط المفاهيم حول الحرية الدينية هي غير موجودة، وبالأخص في الصعيد الذي بشكل كبير يشكل وعيه الديني جماعات مثل الإخوان والدعوة السلفية، ناهيك عن موضة التسعينيات من تكفير وهجرة، وهجرة ودعوة، وغيرها من تلك الجماعات التي تتبنى مفاهيم عن الدين تقوم في أساسها على ثنائية نبذ الآخر وقيام الخلافة الإسلامية.

الوضع فعلًا على المستوى الاجتماعي والمؤسساتي رجعي بالمجمل، وهو أمر في شدة السوء ولن يحل عبر مؤتمرات «الهلال مع الصليب»، يجب فعلًا أن يتم تنحية الهلال مع الصليب عن المعادلة الاجتماعية في مصر حتى نستطيع الحل وبناء التوافق الاجتماعي هذا حول فكرة بسيطة أعتقد أن معظم المجتمعات المتقدمة تخطتها، وهي فكرة التعايش السلمي، وفكرة التعايش السلمي تلك لن تأتي بينما يرفع شعارات دينية في الأساس، لا الهلال هو الحل، ولا الصليب هو الحل، وإنما الحل في إصلاح حقيقي لمؤسساتية الدين التي تخرج كل يوم لنا المزيد من الرجعيين من كلا الجانبين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهلال
عرض التعليقات
تحميل المزيد