الجزء الأول

مقدمة:

الاستعمار لا يولد إلا الحرمان والدمار . تلك حقيقة فرنسا التي آلت على نفسها نقل “الحضارة الأوروبية” إلى الشعوب “المتخلفة”. كانت أطماع الاستعمار معلنة قبل سنة 1830، وثبتت أكذوبة فرنسا “الحضارية”، وبدأ برنامج الاستعمار: خوف بعد أمن، تشرد بعد استقرار، جهل بعد علم، سقم بعد معافاة… لم تصمت آلة المقاومة الجزائرية منذ أن وطأت أقدام المستعمرين والمعمرين وشذّاذ الآفاق أرض الجزائر إلى أن استعاد الشعب الجزائري سيادته وكرامته.

إبادات جماعية (أولاد رياح…) “تطهير” عرقي (جرائم بليسيي، سانت آرنو، بيجو..)، تفجيرات نووية (رقان..) (1)، مذابح (8 مايو 1945…)، تهجير قسري (كاليدونيا الجديدة..) … كلها جرائم ترفضها الأخلاق والقيم الإنسانية والديانات السماوية والأعراف البشرية وتعاقب عليها القوانين الدولية… إن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها فرنسا في حق الشعب الجزائري لا يمكن أن تنجلي آثارها بحكم العلاقات الودية ويفترض أن لا تسقط بالتقادم أمام هيئات القضاء المختصة مهما طال أمدها.

استنادًا إلى البروتوكـول الإضافي الثاني لسنة 1977، والملحق باتفاقيـات جنيـف الرابعـة لعام 1949، فإن حروب التحرير الوطني لاستعادة الاستقلال من الاستعمار تدخل في حيز النزاع المسلح الدولي الذي ينطبق عليه القانون الدولي الإنساني.

أصبح طلب اعتراف فرنسا بجرائمها في الجزائر جماهيريًا ورسميا يستند إلى طبيعة “العلاقة الاستثنائية” التي تربط البلدين والتي يعول عليها في فتح عهد جديد يستخلص عبر الماضي ويؤسس لحاضر يسوده الاحترام المتبادل وينظم لتوافق مستقبلي أكثر مصداقية.

1.الإطلاع على بحث “التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية جريمة دولية – التفجيرات السطحية برقان 1961-“ من إعداد أمال قبايلي، مجلة جيل حقوق الإنسان لمركز جيل البحث العلمي، طرابلس، لبنان، العدد 20، يونيو 2017، ص 137-160.

يقول السيد رئيس الجمهورية:

«إنّنا نمارس حقنا في حفظ الذاكرة وفاء لشعبنا الذي ضحى بمليون ونصف مليون من أبنائه وبناته لكي يسترجع سيادته الوطنية واستقلاله.

إن فرنسا التي باشرت معها الجزائر المستقلة بناء شراكة استثنائية، يجب أن تكون نافعة لكلا الطرفين، وهي شراكة لن يزيدها الاعتراف بحقائق التاريخ إلا صفاءً وتَوَثُّبًا.

إنّ التذكير بالماضي لا يتضمن أي دعوة للبغضاء والكراهية، حتى وإن ظل الشعب الجزائري مصرًا على مطالبة مستعمر الأمس بالاعتراف بما اقترفه في حقه».(1)

(ما تبقى من سجن غويانا (فيسبوك

جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر

نسلط الضوء في هذه البحث على جريمة الإبعاد القسري الذي انتهجته فرنسا في حق بعض فئات الشعب الجزائري والمغاربي عامة في بداية عهدها بحملة الإبادة المسلطة على كل معارض لقانون الإنديجينة المؤسس للتميز العنصري وعلى كل من ساهم أو شجع “التمرد” على فرنسا. “الخارجون على القانون”… هكذا كان ينعت الفرنسيون كل من انضم إلى الثورات الشعبية ضد المحتل. إنه الوصف الذي كلف مئات الجزائريين، الذين نجوا من الإبادة والإعدام، الإبعاد إلى أقصى الجزر في أقصى المحيطات.

الإبعاد الجماعي هو أولى الخطوات للقضاء على أي مجموعة بشرية والأمثلة من العصر الحديث لا زالت تشهد على هذه الجريمة في فلسطين ويوغسلافيا ورواندا وبورما وفي العديد من بقاع الأرض. لا شك أن له آثار سلبية في تغيير النمط الديمغرافي والنسق الاجتماعي للشعوب وفي خلق واقع جديد ومعقد.

بالرغم من صدور اللوائح الدولية والتوقيع على الاتفاقيات الأممية لحماية حقوق الإنسان والمناهضة لكل أشكال التمييز والقضاء على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلا أن الواقع الدولي لا زالت تحكمه مصالح الدول “العظمى” التي بيدها تغيير دواليب الحكومات والشعوب ولها الأثر الواضح والمميز في تسيير الشأن الدولي. “فهذه الدول ما تزال تنتهج سياسة انتقائية، فهي طالما غضت طرفها عن انتهاكات صارخة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولم تعاقب الأطراف التي أخلت بالتزاماتها الدولية، بالرغم من الطبيعة الآمرة لقواعد القانون الدولي الإنساني”. (2)

1.فقرات من خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يوم 05 يوليو 2017 في الذكرى 55 لاستقلال الجزائر.

2. كامران الصالحي “قواعد القانون الدولي الإنساني والتعاون الدولي” مؤسسة موكرياني للبحوث والنشر، 2008، ص 7.

أصبح من سمات المجتمع الدولي المعاصر الاستهانة بالمقررات الأممية، إفلات القوى العاتية من العقوبة وافتقارها للإرادة السياسية لملاحقة المتورطين حينما يكون الفاعل صاحب قرار دولي.

إن هدف البحث لا يتجه صوب توضيح سبل التقاضي أمام الهيئات الدولية لجبر الضرر بقدر ما هو دعوة للالتفات إلى التاريخ الإجرامي للاستعمار وتكييف عملية الإبعاد القسري كجريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي ومعرفة حقيقة الظلم الذي تعرض له العديد من المغاربة جراء النفي من الأوطان والإبعاد عن الأهل والأرض.

كاليدونيا الجديدة…الأصل والموقــــــــع

تقع كاليدونيا الجديدة جنوب غرب المحيط الهادئ على بُعد 1210 كم (750 ميلًا) إلى الشرق من أستراليا. تبلغ مساحتها 18,576 كيلومترًا مربعًا وعدد سكانها 268,767. (1) أصبحت كاليدونيا الجديدة مستعمرة فرنسية بموجب عقد ملكية بتاريخ 24 سبتمبر 1853 وقعه الأميرال فيبيرييه ديبوانت Febrier Despointes.

سكانها الأصليون هم الميلانيزييون (Mélanésiens. (2 أطلق عليها هذا الاسم من قبل النقيب الإنجليزي كوك Cook عندما توقف بها في 04 سبتمبر 1774 في رحلته الثانية لزيلاندا الجديدة (Nouvelle Zélande (3

تأسست العاصمة “نوميا” سنة 1854 وأصبحت رسميًا مكانًا للنقل القسري transportation منذ 1864 وبدأت في عهد نابليون الثالث في استقبال المبعدين والمنقولين “الكومينارد” من فرنسا والمستعمرات الفرنسية منذ هذه السنة. كانت تحصي جزيرة نوميا يومها بعض المئات من الأشخاص نصفهم من جنسيات أجنبية. “كان تعداد نوميا في سنة 1872: 600 جندي و900 بين تاجر ومدني و 600 موظف في المؤسسات العقابية و500 عامل.” (4)

اختيرت كاليدونيا الجديدة موطنًا للإبعاد و النقل القسري لأن المستعمرة كانت تحتوي على إدارة مؤسسة عقابية ولاستحالة الفرار من الجزيرة.

1.إحصاءات أوت 2014. ويكيبيديا عربي.

2. يعود استقرارهم إلى ما بين 4000 و6000 سنة في كاليدونيا الجديدة وكانوا يعيشون حياة بدائية شبيهة بعصر النيوليتيك.

3. Jean-jacques Espirat , « Histoire et culture de la Nouvelle-Calédonie », Futura Sciences, 22/10/2015, p 2.

4. Bernard Brou, « La déportation et la nouvelle Calédonie », Revue France d’Histoire d’Outre-mer, Volume 65/N° 241, P : 502.

بالرغم من بعد الجزيرة في عرض المحيط، إلا أنه سجلت عملية فرار شهيرة سنة 1874 قام بها روش إيفور Roche Efort وباليار Ballière, جورد Jourde وباسكال قروسي Pascal Grousset الذي أصبح فيما بعد مساعدًا للكاتب جيل فارن Jules Verne تحت اسم مستعار أندري لوري André Laurie وهم الناجون في هذه العملية، أما الدكتور رستول Rastoul فكان مآله الغرق رفقة 20 شخصًا. فر كذلك عزيز بن الشيخ الحداد سنة 1881 من جزيرة الصنوبر والتحق بواسطة زورق بزيلاندا الجديدة، ثم سيدني الأسترالية فالحجاز.

شارك في عملية نقل 4500 مبعد من أوروبا سفن شراعية مجهزة بأقفاص عبر 42 رحلة بحرية. أشهر هذه السفن:

La Danaé, La Guerrière, La Garonne, Le Var

Aucun texte alternatif disponible.

يروي هانري بوار Henri Bauër أحد المبعدين “البلديين” في 03 ماي 1872 إلى كاليدونيا الجديدة أن السفينة “داناي” تعتبر سجنًا متنقلًا به أقفاص حديدية ضخمة عرضها 3.5م وطولها 200م وارتفاعها 1.90م (1) كل سفينة تحمل 600 إلى 700 مبعد. كانت الرحلة تدوم من 3 إلى 5 أشهر. كانت البواخر المقلة للجزائريين تقطع مسافة 700 16 ميل بحري أي ما يعادل 928 30 كم من الجزائر.

الباب الأول: الحكم بالإبعاد… زعماء الثورات الشعبية وشيوخ الزوايا من بين الضحايا

بموجب قرار الاتهام المؤرخ في 21 سبتمبر 1872، بدأت في 10 مارس 1873 محاكمة المتهمين في قضايا “التمرد” بمحكمة قسنطينة. شملت القضية 212 متهم وعلى رأسهم زعماء الثورة الشعبية المناهضة للاستعمار الفرنسي “الشيخ المقراني، بومزراق، عزيز و محمد أبناء الشيخ الحداد” صدر في حق المدانين قرار الإبعاد إلى كاليدونيا الجديدة. قبل وصولهم إلى كاليدونيا الجديدة قضوا مدة سجن في معتقل كيليرن Quélern قرب براست Brest، ثم في معتقل جزيرة شاطو أورليون (Château d’Orléans. (2

تحتفظ جمعية ناشطة في كاليدونيا الجديدة بوثائق تحصلت عليها عن طريق البيع بالمزاد العلني سنة 1975 وتعود إلى بلدية نوميا يوجد بها توثيق لقائمة اسمية 908 مبعدا في شبه جزيرة ديكوس (الرقم، الاسم واللقب، الإدانة ومصير المبعد: وفاة، إفراج، إدانة جديدة…) من بينهم 11 امرأة و 24 مبعدًا جزائريًا صدر في حقهم حكم الإبعاد القسري في “قضية ثورة شيخ المقراني سنة 1871 (3)

1.Bernard Brou, « La déportation et la nouvelle Calédonie », Revue France d’Histoire d’Outre-mer, Volume 65/N° 241, P : 503.

2. Abdelkader Benbrik, « La France au banc des accusés. Les algériens déportés à la nouvelle Calédonie, un crime contre l’humanité » ; p1.

3.Bernard Brou, Précité, p 508.

يظهر أرشيف بلدية بوراي Bourail أن 1822 مبعد جزائري حكم عليهم بالإبعاد القسري بموجب “مخالفتهم لقانون الأهالي” ومشاركة البعض منهم في الثورة الشعبية التي انطلقت من سوق أهراس وبرج بوعريرج وبلاد القبائل تحت قيادة الشيخ المقراني بين سنة 1870 و1871. كان معنيًا بقرار الإبعاد المتابعون كذلك في قضية ثورة أولاد سيدي الشيخ بقيادة سليمان بن بوبكر بن حمزة في الجنوب الغربي سنة 1864 و كذلك أسرى معركة “رأس الماء” ضد كتيبة الكولونيل بوبراتر Beauprètre بضواحي سيدي بلعباس التي جرت بتاريخ 7 أبريل 1864، والتي شارك فيها كل من أولاد سيدي الشيخ بقيادة “سي العالي” وأولاد “مطهر” وبني عامر و“الجعافرة”.(1)

بناء على قائمة المبعدين المنشورة من قبل بلدية بوراي يكون أول المبعدين هو إبراهيم بن محمد سنة 1864 وآخرهم: أحمد حسن محمود ومصطفى آغا محمود سنة 1921.

1.أنواع الإبعاد القسري:

عند وصول البواخر أرض كاليدونيا الجديدة، يوجه المبعدون حسب الأحكام القضائية أو القرارات الإدارية إلى ثلاثة أفواج.

أ. المحكوم عليهم بالإبعاد البسيط: يتم إنزالهم في جزيرة الصنوبر Ile des pins (على بعد 50 كم من جزيرة نوميا) في الوسط المفتوح. أودع غالبية الجزائريين في “مخيم العرب”.

ب. المحكوم عليهم بالإبعاد في الوسط المغلق: يوجهون إلى شبه جزيرة ديكوس Ile Ducos. أقام بها سنة 1882 بعض شيوخ ومريدي الزوايا المساندة للثورات الشعبية في الجزائر، وبعض المبعدين الأشقاء من المغرب وتونس.

ت. المحكوم عليهم بالإبعاد مع الأشغال الشاقة: يزجون في سجن جزيرة نورس Ile Norse.

لم يبق أي أثر للمبعدين في شبه جزيرة ديكوس لأنه لم تشيد أي بناية عمرانية تشهد على إقامتهم و محيت آخر آثار مقابر هؤلاء المبعدين سنة 1971.

كان عدد المبعدين في جزيرة نوميا سنة 1872، 7000 شخص من بينهم 4000 محكوم عليهم بالأشغال الشاقة، والباقون كانوا يعملون في الحقول و المزارع. يبين إحصاء المبعدين بين 1872 و 1873 أن متوسط أعمارهم كان 39 سنة، وأن 89 % دون 45 سنة (2).

1.Karim Ouldnebbia, « Les déportés de la région de Sidi-Belabbès vers la Nouvelle Calédonie 1864-1867», Revue maghrébine des études historiques et sociales, Université Djillali Liabes, N°7, p 10.

2.Bernard Brou, « La déportation et la nouvelle Calédonie », Revue France d’Histoire d’Outre-mer, Volume 65/N° 241, P : 514.

أحصت كاليدونيا الجديدة في “الربع الأخير من القرن التاسع عشر، 1702 جزائري من بين المبعدين” (1)

ألغيت أحكام الإبعاد القسري كحكم بديل للإعدام في عهد ديغول بأمر رئاسي مؤرخ في 04 يونيو 1960 و في 31 ديسمبر 1931 غيرت كاليدونيا الجديدة كأرض لاستقبال المبعدين بـ“قويان” Guyane.

(مدخل مقبرة العرب(فيسبوك

2.المبعدون الجزائريون.. حضور إعلامي وواجب الإقرار بالجريمة الإنسانية

اهتم الإعلام الجزائري في السنوات الأخيرة بموضوع المبعدين الجزائريين، وكانت جل الريبورتات تنقل ظاهرة الاغتراب في كاليدونيا الجديدة وتتابع درجة الأسف والاستنكار لما جرى للأجداد، ولا زالت إلى يومنا هذا مشاعر الشفقة والحزن والأسف تطبع المشاهد اليومية لهؤلاء الجزائريين بالأصل.

أ. استثناء الجزائريين من قرار العفو الشامل

أقصى الجزائريون الذين صدر في حقهم قرار الإبعاد البسيط من الاستفادة من قوانين 1870، 1872 و1873 التي تسمح بمرافقة أزواجهم إلى كاليدونيا الجديدة. صدر قرار العفو الشامل عن المبعدين الجزائريين في سنة 1895 بعد حملة هانري دي روشفور. أنشأوا الحقول والمزارع في نيساديو Nessadiou واستظل الخلف بنخيل الجزيرة الذي نبت من نوى التمر الذي رافق أسلافهم المبعدين في رحلتهم نحو المجهول. ألّفت الباحثة الإنتربولوجية الأستاذة مليكة ونوغي كتابًا روت فيه قصة المبعدين المغاربة مع النخيل باعتباره رمز العروبة والأمازيغ في كاليدونيا الجديدة. (2)

ب.التوطن في كاليدونيا الجديدة بخصائص مغاربية

فضل معظم الجزائريين البقاء في كاليدونيا الجديدة وتزوج غالبيتهم بنزيلات الجزيرة اللواتي صدر في حقهن قرار النقل القسري من فرنسا أو بنساء “الكناك” ذوات الأصل الكاليدوني.

يعيش حوالي 000 15 من أصل جزائري حاليًا بكاليدونيا. أشهرهم جون بيار عيفة المدعو “الطيب” المولود في 31 أكتوبر 1938، أصله من دائرة العلمة وشغل منصب رئيس بلدية بوراي الكاليدونية من 1977 إلى 2001، ثم من 2008 إلى 2014. لا زالت مظاهر الهوية الجزائرية أو المغاربية بصفة عامة بادية على خلف المبعدين من حيث التمسك بالدين الإسلامي وتعلم اللغة العربية والحفاظ على الموروث الأمازيغي والعربي، وعلى ذاكرة الأجداد والحنين إليها من خلال إقامة المواسم والأعياد وإحياء المناسبات الشعبية.

1.Karim Ouldnebbia, « Les déportés de la région de Sidi-Belabbès vers la Nouvelle Calédonie 1864-1867», Revue maghrébine des études historiques et sociales, Université Djillali Liabes, N°7, p 10.

2.Mélica Ouennoughi, « Les déportés maghrébins en Nouvelle-Calédonie et la culture du palmier dattier de 1864 à nos jours » , Préface de Pierre-Philippe Rey, Edition l’Harmattan, Paris,2006.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد