(1)

لا أحتاج للحديث عن تفاصيل وتداعيات جريمة قتل وتمزيق أوصال الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي، فقد كتبت آلاف الصفحات عنها، ونقلت أخبارها وحللتها آلاف الساعات التلفزيونية، وتفاعل معها العالم كله، حتى صلى الناس عليه صلاة الغائب في الحرمين وفي مساجد العالم الإسلامي، رغم أنف القتلة وأشياعهم، ولو أردنا أن نوفي هذه الجريمة قدرها لما وسعتنا الصفحات، لكنني فقط أود أن أسلط الضوء على بعض الدلالات في هذه الجريمة الكاشفة.

(2)

أول دلالة هي المتعلقة بالنظام السعودي في وضعه الحالي، حيث يطرح السؤال نفسه: النظام الذي يرسل فريقًا كاملًا ليقتل مواطنًا سعوديًا في الخارج هل يؤتمن على أرواح من يعيشون على أرضه في الداخل؟!، هذا النظام الذي أنكر معرفته بمكان الرجل أول الأمر حتى جاءت صور الكاميرات وأقامت عليه الحجة، ترى إذًا كم مواطن سعودي وكم وافد اختفوا خلال السنوات الماضية وفقدوا وقال النظام أنه لا يعرف عنهم شيئًا، وظن أهلهم أنهم ماتوا في حوادث فلم يستدل عليهم أو اختفوا؟!، إذا كان هذا هو استباحتهم للدماء وجرأتهم عليها حتى في بلاد الغير حيث لا يسيطرون على الشرطة ولا الإعلام، فكيف بها في بلادهم وتحت سلطتهم وتحت سيطرة إعلامهم؟!، وهذا الذي قطع أوصال الرجل وهو يستمع إلى الموسيقى، أيتصور أن تكون هذه هي المرة الأولى له أم هي المرة المائة؟!، هل مثل هذا النظام يؤتمن على حياة الناس ناهيك عن أعراضهم وأموالهم؟!

(3)

وهل النظام الذي لا يتورع عن الكذبة وراء الأخرى رغم أنه يعلم أن الطرف الآخر يملك كافة البراهين وأن كذبه سيكون مفضوحًا أمام العالم بأسره ومع ذلك يستمر في الكذب، فكم مرة إذًا كذب هذا النظام على شعبه وعلى شعوب العالم الإسلامي طوال السنوات الماضية؟!!، هؤلاء الذين قالوا في البداية أن الرجل لم يدخل إليهم أصلًا، ثم لما جاءهم الأتراك بصور الكاميرات قالوا: بل جاء وخرج ولا نعرف عنه شيئًا بعدها، ولما أدركوا أن الأتراك سجلوا كل شيء وأن الأمر خرج من أيديهم والعالم كله يطالبهم بكشف الحقيقة قالوا: بل مات قدرًا في مشاجرة وسلمنا جثته لمتعهد محلي، ولما ضيق الأتراك عليهم الخناق وتساءلوا إن كان من المعتاد عندما يموت المواطن السعودي قدرًا في الخارج أن يخفوا جثته وخبر موته، ثم عندما طالبوهم بكشف (المتعهد المحلي) المزعوم إذا بالاعتراف الرابع والأخير يأتي أنه (قتل عمدًا ومع سبق الإصرار من قبل فريق كامل جاء من السعودية دون علم الملك ولا ولي العهد)، وحتى في هذا فهم كذبة ظلمة، لأنهم ما زالوا ينكرون ما يعرفه العالم بأسره بأن عملًا بهذه الأبعاد وعلى هذا المستوى لا يتصور ولا يعقل إلا أن يكون بأمر مباشر من الملك أو ولي عهده، ولما كان الملك العجوز الذي عركته السنون وخارت قواه لا يمكن أن يكون من الغباء – ولا يعرف عنه ذلك – بحيث يصدر هذا الأمر منه، فقد تكفل أردوغان وقال إن القرار على أعلى المستويات، لكن الملك ليس متورطًا!، لكنهم ما زالوا يكذبون عند خط الدفاع الأخير، فانظر كم مرة كذبوا في الموضوع الواحد وقد علموا أن الحقيقة آتية لا محالة، فكم ألف مرة يا ترى كذبوا حين لا يكون عند الآخرين ما يفند به كذبهم أو يظهره؟!، فكم ألف مرة يا ترى كذبوا حين يستطيعون إخفاء الأمور و(الطرمخة) عليها، كم ألف مرة يا ترى كذبوا على شعبهم وعلى شعوب العالم الإسلامي التي كانت تظن أن حكام السعودية خدام الحرمين وأصحاب الشعارات الإسلامية لا يكذبون، فإذا بهم أكذب أهل الأرض وأكثرهم جرأة عليه، لا يضارعهم في فجورهم وكذبهم ربما إلا حليفهم الشقي النظام المصري وإعلامه، فهم فرسا رهان الكذب في العالمين، ولعلي أذكر هنا أنني كنت في الحج حين حدثت واقعة التدافع في منى، وذكروا في البداية أن رقم القتلى 20، ثم 40، ثم 100، ثم 200، ثم توقف النظام السعودي في رقم القتلى عند ستمائة لا يزيد عنه أبدًا – أنظر كم مرة كذبوا – ثم قامت هيئة إذاعية فرنسية بحسبة بسيطة إذ جمعت مجموع ما أعلنته كل دولة عن قتلاها في تلك الحادثة فوجدت المجموع يزيد عن ألفين!، وأذكر أنني سمعت بأذني خطيب الجمعة في المسجد الحرام عشية التدخل السعودي في اليمن يقول – وهو في أقدس بقاع الأرض – أن من أسباب التدخل هو مخطط الحوثيين لغزو الحرمين الشريفين! فالقوم يكذبون كما يتنفسون، ولا يترددون مرتين في الاجتراء على ذكر أعتى الأكاذيب وأبعدها عن التصديق.

(4)

ومن الدلالات الكاشفة في هذه الجريمة كم الغدر الذي فيها، فالصحفي السعودي الذي بدأ يجهر بآراء معارضة (معتدلة) – بسبب ما عم وطم من طغيان ونزوات ولي العهد الحالي وعبثه في الداخل والخارج – يستدرج استدراجًا إلى سفارة بلده وهو آمن مطمئن، فرغم كل شيء هو مواطن له حقوق، وهو معارض لبعض سياسات السلطة وليس معارضًا شاملًا ناهيك أن يكون خائنًا مثلًا، يدخل سفارة بلده آمنًا مطمئنًا فإذا به يجد فريقًا في انتظاره لقتله وتقطيع أوصال جثته ثم إذابتها لاحقًا في الأحماض، السؤال هو: هل الذي يغدر بمواطنه يتورع عن الغدر بأي حليف له؟، هل مثل هذا النظام يتخذ حليفًا؟!

(5)

لن أطيل في الحديث عن الغباء الأكبر في تاريخ العمل المخابراتي مطلقًا، والذي سول لهم أن يتعاملوا بهذه البلاهة في ملعب ثعلب مثل أردوغان، رغم أن الأيام أثبتت مرارًا وتكرارًا مدى يقظته حين أفشل عدة انقلابات ضده قادها شريكهم في الغدر النظام الإماراتي، تارة بمحاولة رشوة النائب العام التركي والتي كشفها أردوغان بأرقام الشيكات، وتارة بتمويل انقلاب 15 يوليو الفاشل الذي أفشله الشعب التركي بجميع طوائفه مع أردوغان، ومع هذا يذهبون بمنتهى الغباء إلى عرينه وتحت بصره ومسامعه ليقوموا بما قاموا به، فنظام بمثل هذا الغباء والغرور والسفه، ترى ماذا يفعل بمقدرات أمته وأبنائها.

(6)

فإذا انتقلنا من النظام السعودي إلى النظام المصري نجد أن موقفه في هذا الأزمة متسق مع نفسه تمامًا، فالنظام المصري الحالي لو أردنا أن نعبر عنه في صفتين لما وجدنا أدق من (الإجرام) و(انعدام الكرامة)، فمن أوغل في دماء أبناء بلده في مذابح جماعية، أيطرف له رمش لمقتل مواطن سعودي؟!، وهل الذي يساوم على حقوق الإنسان لأبناء بلده، فيقول في جميع المحافل العالمية: التعليم أم حقوق الإنسان؟، الإسكان أم حقوق الإنسان؟…إلخ، هل صاحب التاريخ الأسود والأسوأ في حقوق الإنسان المصري منذ الاستقلال يمكن أن يعبأ بحق مواطن سعودي في الحياة؟!، وأما انعدام الكرامة فهل الذي باع أرضه من أجل المال والمساعدات سيقف ولو موقف العتاب – لا نقول موقف الرفض والإدانة – تجاه تلك الجريمة؟!، هل الذي قدم (تيران وصنافير) عن يد وهو صاغر، وتجاهل التاريخ ودماء الشهداء والدستور والأحكام القضائية مقابل رضى الكفيل أيغضبه في شأن مواطن سعودي؟! متى كان لجرح بميت إيلام؟!

(7)

وإذا كانت هذه الجريمة كاشفة لحقيقة النظام السعودي – على الأقل في حقبته الأسوأ حاليًا على يد هذا الحاكم – وكاشفة لكل حلفائه وما هم عليه – والطيور على أشكالها تقع – فإنها وبدرجة أكبر كاشفة لمواقف قطاعات كبيرة من النخب العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة، صفوة الثقافة، الذين تنكروا لكل ما تعلموه وعرفوه وآمنوا به في حياتهم، وغلبت عليهم حسابات هوائية في منتهى التهافت، مثل أن هذا النظام هو حليف النظام المصري الذي خلصنا من الإخوان، وبالتالي لولا مساعداته وتحالفه (معنا) لما تخلصنا من الإخوان، وللحليف على حليفه حقوق!، وأننا يجب أن نقف مع (الدولة) السعودية في هذه الأزمة (كذا بالنص) [كأن (الدولة) السعودية هي الفاعل وليس حاكم وبطانته]، فهذا هو حال كثير من النخب المثقفة الموالية!، فماذا تنتظر لمستقبل شعب تحت قيادة نظام هؤلاء هم نخبه المثقفة!

(8)

أنا طبعًا هنا لن أنقل عن فلان الإعلامي وما قاله ولا علان الصحفي وما أتى به، ففي حديثي عن النخب المثقفة لا أتوقف أمام المرتزقة الذين يدافعون عن مواردهم، فهؤلاء دوافعهم واضحة ومتسقين مع أنفسهم، لكن الطامة في أن تأتي مثل التعليقات التالية من مثقفين ليس لهم نفعية شخصية مباشرة، لكنها نفعية سياسية ظنية:

«السعودية حليف، والخليج يوظف ملايين المصريين، وأنقذنا من مخالب المدعو أوباما سنة ٢٠١٣ و٢٠١٤. وهو الضامن المالي لمصر شاء أم أبي، وفي المقابل نحن ضامنه العسكري ونؤمن البحر الأحمر شئنا أم أبينا، موقف مصر مبني علي تشخيص أن لولي العهد شعبية كبيرة في السعودية ويملك مفاتيح السلطة، وأنه لا يمكن تركه وحيدًا امام الابتزاز التركي الأمريكي القطري الإخواني، وأن المنطقة بأكملها لا تستطيع تحمل هزة في السعودية، وسواء صح تقدير شعبيته أم لا فإن لهذا الموقف منطق وجيه ووطني».

ويتمم مثقف آخر على هذا الكلام قائلًا: «هذه هي الخلاصة المفيدة.. ما عدا ذلك لغو لا معنى ولا طعم له، وتعبير عن خواء أو مزايدات فارغ».

(9)

إن أسوأ ما في تلك التحاليل والأقوال – التي تصدر عن مثقفين للأسف – هو هذا التماهي والخلط الغريب بين الدولة والحاكم، فالسعودية ليست حليفة السيسي ولكن النظام الحاكم فيها هو حليف السيسي، وهو ليس حليف مصر بل حليف السيسي، والذي قتل الصحفي ليس (السعودية) بل (الحاكم السعودي)، وليس من واجبات الحليف على حليفه تأييده في جرائمه.

وعلى الجانب الآخر فمن البساطة السياسية – ولا أقول السذاجة – أن نظن أن السعودية أنقذت السيسي من أمريكا، هذا يقوله أحمد موسى، لو أرادت أمريكا أن تسقط السيسي فعندها مائة وسيلة إحداها أن تأمر الحاكم السعودي بالأمر.. وأكرر.. بالأمر، فيرفع يده عن السيسي.

إن التماهي بين الدولة والحاكم هو تفعيل لمقولة لويس الرابع عشر (أنا الدولة).

(10)

إن أي موقف أو رد فعل في موضوع خاشقجي غير الإدانة الصريحة فهو مخجل بكل المعايير ولا يليق بمصر، ونسأل أدعياء الثقافة هؤلاء، الذين يفترض أنهم حراس القيم الوطنية:

ما هي الرسالة التي ننقلها لأولادنا هنا؟، أن من أطعمك (المم) فأيده ولو كان قاتلًا؟! فماذا ننتظر منهم في المستقبل إلا أن يكونوا قتلة لصوصًا؟ وماذا ستكون نظرتهم لنا، وماذا سيقولون عنا وهم يروننا نكتب أن التمسك بالقيم في مقابل (المم) يعتبر لغوًا لا فائدة فيه، وأن علينا ان نقف مع صاحب (المم) مهما فعل، فماذا سيكون موقف ابني لو صاحب العمل طلب منه أن يسرق حتى يحافظ على (المم)؟!، وماذا سيكون موقفنا لو صاحب (المم) اعتدى أو قتل بعض مواطنينا عنده أو حتى عندنا!، كيف ستعارضه وقد أيدته عندما قتل مواطنه، فهل مواطنك سيكون أغلى عنده من مواطنه؟!

(11)

إن المثقفين يفترض فيهم أن يكونوا خط الدفاع الأخير عن العقل الجمعي، وعن الضمير الوطني لأي شعب من الشعوب، فعليهم أن ينأوا بأنفسهم أن يتحدثوا بلسان السياسي صاحب السلطة، فإن فعلوا فقد ضاع العقل الجمعي وانتهك الضمير الوطني، للحاكم إعلامه الذي يشرح سياساته ويبرر أخطاءه وبلاياه، بينما دور المثقف أن يكون الرقيب على هذا كله والكاشف لعوراته والفاضح لخباياه، لا أن يكون التابع والمساير والمبرر.

(12)

وهكذا كانت هذه الجريمة البشعة كاشفة وفاضحة، رحم الله الراحل جمال الخاشقجي، وأسأل الله يجعل دمه لعنة في عنق قاتليه ومن وافقهم ومن سايرهم ومن شايعهم ومن حالفهم، وأن تبصر هذه الأمة في ضوئه وجوه المخادعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد