سخافة فكرة الاصطفاف بالدور لطعن ضحية نائمة!

*ما أن يبدأ القطار الضخم الفخم السريع وجهته خلال أوروبا، حتى يتكشف لنا الكم الكبير من الأسرار واحدًا تلو الآخر، بأسلوب مشهدي مثير وأنيق، يسترجع المخرج «كينيث براناة» رواية أغاثا كريستي الكلاسيكية البوليسية الأكثر مبيعًا، الفيلم يروي بتشويق مميز قصة الركاب الثلاثة عشر الذين تقطعت بهم السبل والمشتبه بهم في ارتكاب جريمة غامضة، وهناك رجل واحد فقط عليه أن يركض في سباق مع الزمن لحل اللغز قبل أن يضرب القاتل مرة أخرى، كينيث براناة المخرج والممثل يقود كل هؤلاء «النجوم» بتناغم جاذب منذ اللحظات الأولى: بينيلوبي كروز، وليم دافوي، جودي دينيش، جوني ديب، ميشيل فايفر، ديزي ريدلي، جوش جاد، وآخرين غيرهم.

 

*يبدو الفيلم جميلًا ومتماثلًا ويحفل بالمفاجآت، ويمضي فترة طويلة قبل أن يشي بالأسرار، وبدا «براناة» وكأنه شغوف بالقصة، ويتعامل بمتعة مع شخصية المحقق «غريب الأطوار»، والذي يستمتع تمامًا  بحل الألغاز واكتشاف الأسرار، وأحيانًا يفتقد الشريط لخفة الدم وللعمق الدرامي، ولكن ربما المقصود ذلك للتأكيد على مغزى الغموض والجريمة، ولكن بالمقابل فهناك تكيف أدبي وبعد مشهدي أخاذ مع تقمص مدهش للشخصيات لدرجة «البؤس والنكد» الذي نراه بوضوح على جميع السحنات، ولكن يبقى الترفيه والتشويق هو سيد الموقف، فعلى غير عادتي لم أنظر لساعتي لأول مرة إلا بعد انقضاء أكثر من ساعة وربع.

 

ولا أميل أبدًا لمبالغات النقاد من أن فيلم «سيدني لوميت» (1974) مع ألبرت فيني وأنجريد برغمان يفوق هذه النسخة الجديدة بمراحل، بل إن «براناة» و«جرين» (الأخير هو صاحب السيناريو العبقري لفيلم بليد رانر)، مع المصور السينمائي البارع «هاريس زامبركوكس» قد أدخلوا هنا أساليب وتقنيات متقدمة سينمائيًا وتصويريًا، حتى وصلت أحيانًا لتخوم «الشاعرية السينمائية» غير المتوقعىة في فيلم جريمة كلاسيكي، كما يملك الفيلم عناصر تشويق مفاجئة وغير متوقعة، وهو حافل بالنجوم والشخصيات التي تنطبع بالذهن وليست عابرة، وهناك تمثيل لافت لكل من «ديب» و«فايفر».

 

ويعود ذلك ربما  لدورهما القيادي في السياق السردي، حيث الأول هو المجرم المحتال المكروه وفايفر هي التي قادت نظريًا عملية المطاردة والقتل بإصرار، وكان من الضروري أن يتم التركيز أساسًا على شخصية المحقق المحورية (بوارو)، وعلى أدق التفاصيل مثل الملابس الحمراء وأزرار الكمسري المفقودة والمسدسات وطلقات الرصاص والسكاكين الحادة ورسائل التهديد والخنجر والمحاليل المخدرة والمنديل الملطخ بالدم مع الحرف الغامض المنسوج عليه، ثم مع طبق التحلية بالكريم اللذيذ؛ لأنها عناصر لعبت جميعًا دورًا «مساندًا» في مسار الأحداث ووجهتنا نحو الذروة المتوقعة!

 

قام بالأدوار الرئيسية كل من كينيث براناة بدور «هيركور بوارو»، بنيلوبي كروز بدور «بيلار إسترافادوس»، وليام ديفوي بدور البرفيسور الألماني «جيرهارد هاردمان»، جودي دينيش بدور الأميرة الروسية «دراجو ميروف»، جوني ديب بدور «صموئيل راتشيف» (المجرم صاحب السوابق والمحتال الذي يتاجر باللوحات والتحف المزيفة أحيانًا)، ثم كل من: ديريك جاكوبي بدور «إدوارد ماسترمان»، ليسلي أودوم بدور «د. أربو ثنوت»، ميشيل فايفر بدور «كارولين هوبارد»، ودايزي ريدلي بدور «ماري ديبنهام».

 

في شتاء عام 1934 يحاول المحقق البلجيكي الشهير «هيركور بوارو» أن يأخذ إجازة للاستراحة بعد أن حل مشكلة مستعصية في حائط المبكى بالقدس العربية، عندما جمع ثلاثة رجال دين مسلم ومسيحي ويهودي، لبحث معضلة اختفاء تحفة أثرية تاريخية، يتبين بذكائه ودقة ملاحظته أن قائد الحرس البريطاني هو نفسه السارق. وفجأة تأتيه برقية مستعجلة للذهاب إلى لندن لكشف أسرار حالة مستعصية جديدة، وأثناء تواجده في إستنبول، يلتقي مع «بوك» مدير قطار الشرق السريع ليحاول إيجاد مقعد له في القطار المحجوز سلفًا، وفي القطار يلتقي بوارو مع «صموئيل راتشيت» رجل الأعمال الأمريكي «المشبوه والمنبوذ والمكروه»، الذي يطلب منه العمل حارسَه الشخصي لأنه تلقى رسائل تهديد مجهولة الهوية، إلا أن بوارو يرفض بإصرار هذه المهمة.

 

وفي الليل يسمع بوارو أصواتًا غريبة تأتي من غرفة راتشيت، ثم يشاهد امرأة ترتدي «الكيمونو» الأحمر وهي تخرج هاربة من غرفته لأسفل الرواق، ثم يحدث انهيار ثلجي كبير يؤدي لخروج القطار عن مساره، مما يأخذ وقتًا لإصلاحه وإعادته للسكة.

 

ويبدو أن الركاب الاثني عشر قد قاموا ببراعة بزرع الأدلة لإقناع بوارو بنظرية «القاتل الوحيد الهارب»، وبعد أن يستغل بوارو توقف القطار حوالي نصف الساعة ، ويقوم بالتحري والاستقصاء العميق سواء في مطعم القطار أو في المنصة المعدة خارجه أو عند المداخل، ليصل في المحصلة إلى حل صائب متوقع لمجريات ما حدث تحديدًا وخاصة أن المغدور قد تعرض لاثنتي عشرة طعنة خنجر حاد، فيتحداهم كاشفًا التفاصيل ودور وصلة كل واحد منهم بالقاتل والضحايا، وإمعانًا في التحدي فهو يضع مسدسه أمامهم، لأنه كشف تواطؤهم واشتراكهم جميعًا بالجريمة، وتستولي السيدة «هيوبارد» فورًا على المسدس، وتحاول الانتحار ولكن المسدس لم يكن ربما محشوًا بقصد، وقد أراد بوارو امتحان الركاب فقط ومعرفة ردود أفعالهم.

 

وخلال هذه الفترة ينجح فريق الإصلاح برفع القطار للسكة، ويستنتج بوارو عدم وجود عدالة في هذه القضية الغريبة وأن المدعو «راتشيت» يستحق فعلًا مصيره، ويتذكر مندهشًا أنه للمرة الأولى في حياته المهنية يتعين عليه «العيش مع عدم التوازن»، متراجعًا عن مقولته الخالدة «هناك صواب وهناك خطأ، ولا يوجد شيء بينهما»، ثم يترك القطار شارحًا ومبررًا نظرية القاتل الوحيد «الهارب» للشرطة اليوغوسلافية بعد أن يتم إخلاء الجثة، ثم يغادر بسيارة إلى لندن لحل مشكلة مستعصية جديدة.

 

لقد برع براناة بأداء دور المخرج والمحقق، كما نجح بإدارة هذا العدد الكبير من النجوم وتحييدهم دون أن يعطي المجال لسرقة اللقطات والاستعراض، ولا شك أن الكاتبة الفذة «كريستي» كانت ستعجب افتراضيًا بمظهر براناة وشاربه الضخم المهيب (حيث لم يعجبها تمامًا شارب الراحل ألبرت فيني بنسخة عام 1974).

 

أما الشيء الغريب الذي لم يتطرق إليه أحد وانجر المخرجان الشهيران «سيدني لوميت» و«كينيث براناة» بإخراجه وتصويره فهو بالحق مشهد قتل «صموئيل راتشيت» وهو نائم في مقصورة القطار، فالمشهد بدا «كرتونيًا» بامتياز، فلا يمكن تخيل 12 حاقدًا (مهما كانت دوافعهم) وهم يصطفون ليلًا هكذا بالدور في مقصورة قطار ضيق، ثم يباشرون بطعن الضحية واحدًا تلو الآخر، ثم يغادرون خلسة دون أن يتمكن «بوارو» اليقظ النبيه الحساس ولا قائد القطار من أن يضبط أحدًا منهم ولو بالصدفة، ثم إن فكرة المشاركة هكذا بعملية اغتيال جماعي صعب تفهمها إنسانيًا، فقد كانت أول طعنتين أو حتى ثلاث كافية تمامًا لكي يفارق راتشيت «المسكين في هذه الحالة» الحياة، ولكن«أجاثا كريستي» سخرت من الجميع بهذا السيناريو «غير الواقعي – الكرتوني» والذي يكاد يقترب من السخافة واللامعنى والتلاعب، وربما كنت الناقد الوحيد الذي اكتشف هذه النقطة وسلط عليها الأضواء!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد