د. إبراهيم عوض أديب ومفكر إسلامي مصري، حصل على درجة الدكتوراة في النقد الأدبي من جامعة أوكسفورد، يدرِّس في كلية الآداب بجامعة عين شمس مقررات الأدب العربي، النقد الأدبي، الدراسات الإسلامية والترجمة من الإنجليزية، ولديه أكثر من مائة كتاب في ميادين اشتغاله الفكري والأدبي.

أعدّه -في منظوري- من الفئة المتجنيَّة على قصيدة النثر، وهي الفئة التي إما ترفض الشعر المنثور بصورة قطعية بدون مناقشة إلا في حيز المقارنة بينه وشعر الكلاسيك الموزون المقفى، أو ترفضه وفق جدلية تقوم على انتقاء الركيك من قصائد النثر لتدفع بها كمسوغات للرفض، أو ترفضه كرد فعل على الآراء الهدمية التي أعلنها بعض شعراء الحداثة الأوائل ضد الموروث العربي الشعري والإسلامي. وفي حالة د. إبراهيم عوض فهو يصدر عن كل هذه الحالات، بل يبدو من منهجه الذي اتبعه في نقد قصيدة النثر أنه يصدر عن عقيدته الفكرية الإسلامية – كتيار إسلامي لا الإسلام عامةً – أكثر من انحيازه للنقد الأكاديمي مجال تخصصه، أو حتى الذائقة الأدبية المجرّدة من منهجية النقد.

في كتابه «فنون الأدب في لغة العرب» صرف د. إبراهيم غالب الفصل الذي خصصه للشعر للحط – وليس النقد – من شأن قصيدة النثر، بدلًا عن التحليل الفني والدرس الأسلوبي بكلياته، أو المنهجي الذي يأخذ عينات البحث من النماذج المعتبرة التي يُعتد بها في مقام التمثيل لمدرسة أدبية كالحداثة الشعرية في شكلها الأخير الذي تخلص من تفعيلة السطر الشعري، وقام على أُسس خاصة تميز معمارية القصيدة النثرية.

انتقى الدكتور في فصله عدة نصوص لأدونيس والماغوط ومحمد عفيفي مطر وحسن طلب ورفعت سلام وحلمي سالم، انتقاها للعرض فقط كدلالة تعضيد على سلامة رأيه في قصيدة النثر، وأقول أنها فعلًا تعضّد رأيه ولو أنني عرفت قصيدة النثر عبر هذه النماذج لوقع رأيي فيها علي رأيه وقع الحافر على الحافر. وهكذا هي الانتقائية التي مارسها في تخيّر الرداءة الشعرية، وغضَّ طرفه عن النضائد والخرائد التي لا يخلو منها جنس أدبي مهما قال أو حاول أن يثبت بالنصوص التي أزجى بها في معرض كتابه!

المحمودة الوحيدة له في مضامين كلامه هي تحليله الفني لنثرية أحمد عبد المعطي حجازي، حيث وقف عندها بتحليل جيد، وإن كان أهدره على نثرية حكائية، لا على قصيدة نثرية كما أوهم بعرضها ضمن كلامه عن قصيدة النثر، لأنها -نثرية حجازي – لم تحقق معيارية قصيدة النثر. هي بعنوان «طردية» وهذا نصها:

هو الربيع كان

واليوم أحد

وليست في المدينة التي خلت

وفاح عطرها سواي

قلت: أصطاد القطا

كان القطا يتبعني من بلد إلى بلد

يحط في حلمي ويشدو

فإذا قمت شرد

حملت قوسي

وتوغلت بعيدًا في النهار المبتعد

أبحث عن طير القطا

حتى تشممت احتراق الوقت في العشب

ولاح لي بريق يرتعد

كان القطا يدخل كاللؤلؤ في السماء

ثم ينعقد

مقتربًا

مسترجعًا صورته من البدد

مساقطًا

كأنما على يدي

مرفرفًا على مسارب المياه كالزبد

صوبت نحوه نهاري كله

ولم أصد

عدت بين الماء والغيمة

بين الحلم واليقظة

مسلوب الرشد

ومذ خرجت من بلادي

ثم سوَّد د. إبراهيم قرابة العشرين صفحة من النقد والتحليل لأجل هذه النثرية، ولو اكتفى بعرضها فقط، لقلنا معه أنها ليست شعرًا، ولكن يبدو من هذه المنهجية التي اتبعها – إن كانت منهجية – أن بينه وقصيدة النثر ما صنع الحدَّاد! واقتبس من كلامه ما ينضح رأيه بلغة عدائية لا تليق بناقد ناهيك عن دكتور في النقد:

مقطع اليقين أنه ليس للدعاوى المتعلقة بقصيدة النثر من معنًى إلا أنه باستطاعة أي إنسان أن يكون شاعرًا، وشاعرًا عبقريًّا أيضًا، ما دام الشعر قد تخلص من وزنه وقافيته، وانحط إلى هذا الدرك الأسفل من التفاهة والهذيان، وأضحى من الهوان بهذا المكان! ترى هل يعجز أعرى الناس من موهبة الأدب والشعر عن توليف مثل هذه السخافات والهلاوس؟ ولقد انتشر الآن ذلك النوع من الكتابة بين شباب الأدباء السطحيين الخالين من المواهب، لسهولته وخلوه من قيود الإيقاع وأسلوبه الواهن، وعدم تعمقه في الغوص على أي معنًى أو إحساس، وهذا إن كان هناك أصلًا معنًى أو إحساس.

تدور اعتراضاته على قصيدة النثر حول مبدأ التخلص من القافية والوزن إضافة إلى غموض قصيدة النثر – كما ذكر – فعن إتكائه على شرط النظم الشعري المقفى على البحور العروضية الستة عشر التي أرسى دعائمها الخليل بن أحمد الفراهيدي برصده لظاهرة الموسيقى في أشعار العرب، فمدرسة الشعرية النثرية لا تعتد في تنظيرها بهذه البحور التي يقدَّسها أهل الكلاسيك، وتنظر إليها على أنها قيد للشعرية يحول دون تحليق القصيدة المنثورة من خام اللغة – الألفاظ – بجناحي البلاغة والتقنيات الأسلوبية. ومع ذلك حققت الشاعرية والشعرية معًا، وفتحت في الشعر أبوابًا وقف الشعر الكلاسيكي أمامها ولم يعبرها.

في أثناء اعتراضه على خلو الشعر المنثور من الموسيقى الخارجية – الوزن والقافية – فقد تجاهل الدكتور القصائد النثرية التي حرص مبدعوها على موسقتها بتقنيات الموسيقى الداخلية مثل الجناس، السجع، التقطيع الصوتي، التكرار .. إلخ. يقول محمود قحطان وهو مدون مهتم بأشياء الشعر:

الموسيقى الداخلية أصعبُ من الموسيقى الخارجية، ففي الخارجيّة هناك بحرٌ يحكمك بتفعيلاته ووزنه، أي يكفي أن تكتب على هذه التّفعيلات لتُحقِّق الموسيقى الخارجية فحسب، أمَّا الموسيقى الداخلية فتتّسع لتشمل اختيار الشَّاعر لحروفه وألفاظه وإبداع صوره وأخيلته لإيجاد التَّناغم بين أجزاء الجُملة الشِّعريَّة وتحقيق الثّراء الموسيقي .. خصص القحطان تدوينته في سياق قصيدة الكلاسيك المشتملة على كلًا من موسيقى الشكل الخارجي والنغم اللفظي الداخلي، إنما إشارته لصعوبة الثاني استدعت الاقتباس. والدكتور نفسه أشار إلى الموسيقى الداخلية في كتابه مع تأكيده على أنها تضفي رونقًا إضافيًا على الجمالية الأساسية لقصيدة الكلاسيك القائمة على وزنها في بحور الخليل.

أما الإعتراض الثاني للدكتور الخاص بغموض قصيدة النثر فمردود عليه بأنه وقع على الغامض وانتقاه بنفسه، وترك القصائد الواضحة مبنىً ومعنىً. وهذه المنهجية التي اتبعها تذكرني بمقولة لناقد عراقي – لا أذكر اسمه – وصف فيها الناقد المدفوع بسوء النية بأنه يبدو أمام القراء كمن يجرُّ النصوص إلى خارج شمائلها كالذبائح فيكون محصول نقده كعائدٍ من البحر وليس في شباكه غير الريح وبقايا الزبد.

الأكاديمية النقدية أو الذائقة الفنية، لا يمثل أيهما متكأً لموقف د. إبراهيم، فالراجح أنه اتخذ موقفه من قصيدة النثر من موقع المفكر الإسلامي كما يفعل أقرانه في ذات التيار، فموقف التيار الإسلامي السلفي ينظر للحداثة كمذهب هدمي دخيل وافد من الغرب، هذا عن المذهب وهذا صحيح في تقديري. محل الخلاف هو في منتجات المذهب الحداثي الأدبية التي تمثل وسائله التعبيرية. ويبدو أن د. إبراهيم يعتبر معركته مع مدرسة قصيدة النثر هي معركة في ميدان الفكر الإسلامي لا في ميدان النقد الأدبي.

فهو للعلم من أعلام الدعوة ولديه سجالات مشهودة في الأديان المقارنة والمذاهب المعاصرة والترجمات المشبوهة، وطبيعة هذه المواقف أنها تدور حول الحواريات العلمية التأصيلية، وكشف المغالطات المنطقية، والطريقة الصدامية في الردود على الخصوم وطحن شبهاتهم وذرَّها. ولكن أن يُسقط د. إبراهيم مواقفه الفكرية على ساحة الشعر فهذه معركة في غير معترك، فقد كان أقدر من غيره على صنع توازن بين الفكري والأدبى، بدلًا عن العلاقة القطعية التي اجتهد في تكريسها فلم ينجح في إقناعنا، لا بفكره ولا بتخصصه الأدبي، لأن كلامه في الأصل ليس دراسة أدبية يمكن النقاش في ثناياها – وإن اختلفنا معها – وإنما هجوم ورأي لا يلزم غير صاحبه.

هذا الخلط ناتج عن كثرة الصدام مع أصحاب الديانات الأخرى والمستشرقين وأمثالهم. ومع أتباع المذاهب الفكرية التي غزت العالم الإسلامي والتي يُعتبر د. إبراهيم من حوائط الصد أمامها، ومن الواقفين على ثغورها الأمامية وما ألفه في هذا الميدان شاهدٌ على ذلك.

في مقارنة الأديان هنالك أذرع متعددة لكل منها وظيفتها التي تنجزها. فالذراع التي تخوض في أديان أهل الديانات، لا تصلح للخوض في ميدان الفرق المفترقة في شعب الساحة الإسلامية، ولا تصلح كذلك للخوض في ميدان المذاهب الفكرية المعاصرة. فإن رُمنا في ساحة الأدب إجراء مقارنة أو دراسة لأدب الحداثة، فلا يمكن بحث ذلك في إطار المذاهب الفكرية المعاصرة، لأن الحداثة الأدبية ليست هي الحداثة الفكرية المُعترَض على مطوياتها الفلسفية.

يقودني ذلك إلى موقف آخر للدكتور إبراهيم يشير إلى منهجيته غير الموفقة في النقد الأدبي، يوضحها كلامه عن شعر التفعيلة: قد ظلت القصائد العربية منذ بداية أمرها إلى بضع عشرات قليلة من الأعوام تنظم على بحر من البحور الخليلة الستة عشر، وكان كل بيت ينقسم إلى شطرين، كما كانت الأبيات كلها تلتزم قافية واحدة. وإلى جانب هذا النمط من الوزن ظهر في الطريق ألوان أُخرى كالموشَّحات والمخمَّسات وما إلى ذلك. ثم عرفنا في العصر الحديث ما يسمى بالشعر الجديد أو «شعر التفعيلة» الذي يقوم على نظام السطور لا الأبيات، حيث يتكون كل سطر من تكرار تفعيلة بعينها تكرارًا اعتباطيًا: فمرة يكون السطر عبارة عن تفعيلة واحدة، ومرة يكون ستًا أو سبعًا أو ثلاثًا أو اثنتين، حسبما يعنُّ للناظم أن يقف ويستأنف نظمه في سطر جديد. وأحيانًا ما يكون في القصيدة الواحدة أكثر من تفعيلة، وعلى ذات الشاكلة تفتقر القصيدة التفعيلية إلى نظام قافوي معروف، إذ الشاعر حر أن يقفي متى شاء، وأن يترك التقفية متى شاء، مثلما يمكنه التنويع في القافية على النحو الذي يشاء. ومن هنا خفت نغم القصيدة، وظل يخفت رويدًا رويدًا حتى مات في كثير من القصائد فانتفى عنها الشعر وأضحينا أمام جثث ا.هـ كلامه من كتابه «فنون الأدب في لغة العرب».

ولكنه ناقض موقفه السابق الذي سطَّره ضد شعر التفعيلة في كتاب آخر له عنوانه «في الشعر العربي الحديث – تحليل وتذوق» في تحليله لقصيدة «لا يفرح البشر» للشاعر عبده بدوي، المكوَّنة من أربعة مقاطع شعرية، شرَّح د. إبراهيم الظاهرة الموسيقية فيها:

في أرضنا لا تُزهر القلوب

لا تُخصب النفوس في اللقاء

لا يلتقي قلبٌ بقلب

لا ينتهي حبٌ بحب

لا تلتقي اليدان في الطرق

لا تُورق الأنفاس في العُنق

لا يفرح البشر

لأن قلبين التقيا

لأن صدرين انهمرا

لأنه همى المطر

فدون ذلك الرصاصُ، والكلام، والنظر!

***

فأنت إما فُزتَ بالذي تريد

ودار حول بيتك الشجر

والدفء والطعام والأطفال

وذلك اللهاث من فوق الرخام

والشهوة التي بلا كلام

فأنت دائمًا غريب

بما فقدتَ من مُنىً، ومن سهر

ومن زيارة القمر

والشمس في الحبيب

والليل في الخطر!

***

وأنت إن حُرمتَ لذة الحنان

ولم تعد تعيش في عينين .. جنَّتي ألوان

تموت في عينين .. إصبعي بيان

أحلام شمعدان

فأنت دائمًا غريب

بما فقدت من حبيب

في عالمٍ أسيان

دروبه النسيان!

***

في زهونا تستنبت الأحزان

في ضحكنا قزمٌ عبوس الوجه، مشقوق اللسان

في فجرنا تهُمّ صرختان .. دمعتان

وصبحنا خيوط عنكبوت

عيون أخطبوط

يقولُ: من يموت؟

فنرتمي على الخيوط

ونترك البيوت!

قال د. إبراهيم في تحليله: موسيقى القصيدة تختلف عما هو موجود في القصائد المعتادة، فليس عندنا أبيات، كل بيت مكون من شطرتين متوازنتين، والأبيات تنتهي بقافية واحدة، أو عدة قواف لها نظام معلوم، بل عندنا شطرات غير متوازنة فشطرة طويلة وشطرة قصيرة:

لا تورق الأنفاس في العنق

لا يفرح البشر

ومع ذلك فلو حللنا هذه الشطرات فإننا سنجدها تقوم على تفعيلة واحدة غالبًا، وهذه التفعيلة قد تتكرر في شطرة مرتين، وقد تتكرر في غيرها أكثر من ذلك أو أقل – التفعيلة في هذه القصيدة هي مستفعلن – أما القافية فهي تارة غير موجودة.

في أرضنا لا تزهر القلوب

لا تخصب النفوس في اللقاء

وهي تارة ملحوظة بوضوح شديد كما في الأشطر الأربعة الأُولى والشطرين الأخيرين من المقطع الثالث، والأشطر الثلاثة الأولى من المقطع الأخير. ومع هذا فإننا نلحظ تجاوبًا في القافية بين أبيات القصيدة المتباعدة، كالذي بين الشطرة السابعة والتاسعة والعاشرة «في المقطع الأول»، والثانية والسابعة والثامنة والعاشرة «في المقطع الثاني» وهي قافية رائية «البشر – المطر – النظر – الشجر .. إلخ»، إلا أن هذا التجاوب لا يحكمه نظام معروف، وإن كان يشد أجزاء القصيدة بعضها إلى بعض، والقارئ يشعر به كأنه تجاوب أصداء صوت ا. هـ كلامه.

والتناقض واضح بين تحليله لقصيدة عبده بدوي وكلامه السابق عن قصائد التفعيلة التي وصفها بالجثث، وهذا تأشير على غبش منهجيته في النقد الأدبي! بما قد يشفع لأصحاب المقولة الشهيرة: إن الناقد يقتات على مائدة المبدع!

بالعودة إلى قصيدة النثر بعيدًا عن رأي د. إبراهيم وأقرانه فيها، فهي داخلة في حيز الشعرية بمعاييرها التي تراعي عناصر: التكثيف اللغوي والتصويري، بناء العتبات الإستعارية، الإنزياح – عدول المعنى – اللفظي والتركيبي والدلالي، الوحدة العضوية سواء كانت بنائتها متصلة متنامية أو مقطعية، الإيقاع الداخلي المتناغم، مجانية النص المفتوح علي قراءات في عدة مستويات، الرمزية، الإيحائية، الصدمات الشعرية والقفلة المدهشة.

هي القصيدة المتوهجة التي وصفتها الناقدة الفرنسية الرائدة سوزان برنار في كتابها «قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا»: «هي قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور. خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجًا عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية.

وخير جواب للنقاد الذين ألهبوا بسياطهم ظهور شعراء الحداثة، هو ما سطَّره فيكتور هيغو في ديوانه «الشرقيات»: سواء أكتب الشاعر شعرًا أم نثرًا، وسواء نحت في المرمر أم صب تماثيله في البرونز.. فهذا رائع والشاعر حر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد