إذا كانت هويتك البصرية هي صورتك التي لم تصنعها فهويتك الفكرية هي كلامك الذي صنعت.

قالوا من قبل «تكلم حتى أراك»، وإياك، إياك أن تشوه صورة الإنسان الأجمل بين الكائنات بشنيع القول فتصبحَ أبشعها.

كيف لا، ووحدك بينها من تهوي به كلماته سحيقًا أو ترقى به في عليين.

كيف لا، وللسحر مَسْحَتُه على بيان الآدميين.

كيف لا، وللكلمة طريقٌ نافذٌ للقلب يفعل في خفقاته ونبضاته ما لا يفعله السم، ولا الترياق أحيانًا.

لئن تحدثت الكلمة عن نفسها لقالت إنما أنا مفتاح العقول، وبريد الأفئدة، وتُرجمان المحبة، وأنا بارود الفكرة، ورصاص الجَنَان، وشيطان اللسان.

تلك هي الكلمة التي يبذلها أو يبتذلها البعض من أصحاب الأصوات المسموعة في الإعلام والصحافة ممن يحملون على عواتقهم الترويج لأهل الظلم والجور والفساد، إذا كان مُلَّاك الأسلحة يظلمون المخالفين لهم وحسب، فمُلَّاك الألسنة المتسلطة يظلمون الإنسانية جمعاء. إذا كان الظالم سيفعل فعلته في مظاليمه فقط، فألسنة الباطل ستشوه معاني المظلومية ليلتبس الحق والباطل على الناس؛ فيقبلوا على الباطل المعمَّى ويولوا الحق ظهورهم، الظالم نفسُه لا يجد المشروعية لفعلته بقدر ما يجدها له أصحاب الألسنة المزركشة، ولئن كان أحدهم ينشد لنفسه غطاءً شرعيًّا لأفعاله، فلن يجد أمهر من هؤلاء لنسج ذلك الغطاء يتقي به وخزات الضمير، ونداءَ ما بقي من فطرة الخير عنده، وكما أن للمجتهد قاصدِ الحقِ أجرين إن أصاب حقَّه، فكذلك للمجتهد قاصدِ الباطلِ وزران إن أصاب باطَله، وزرٌ لما جرَّه على المظلوم ووزرٌ لما زينه للظالم الذي سيغنم الغنيمة الأكبر، ويلقي الفتات لأبواقه.

خسارتان وربحٌ واحدٌ بخس، بئس التجارة تجارتكم.

كم عانينا من هؤلاء في السنوات الأخيرة مع تزاحم أمواج البث الإعلامي في فضاءاتنا، حيث المتابعة لصغريات القضايا وكبرياتها، وتناول الغثَّ والسمين منها تشريحًا وتحليلًا وتفنيدًا، فكان لأبواق الباطل الحضور الدائم والقوي، وهم المدفوعون والمدفوع لهم لينطقوا باسم أهل السلطة والنفوذ.

ثيابٌ أنيقة، مكاتبٌ رتيبة، ربطاتُ عنقٍ بألوانٍ زاهية، وألسنة ٌلها لونٌ واحد! الأسود القاتم.

ليس أشد إيلامًا من الخيانة والكذب والعهر إلا وسمها بالأمانة والصدق والعفة، يا عظيم جرم أولئك الذين يتولون هذه المهمة، ويل لمن رفع أشرعة الظلم على سواري البيان.

أعظم سموم الكلام تلك التي تُجرِّم من وقعت عليه الجريمة، هذه هي الجريمة العظمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حروف
عرض التعليقات
تحميل المزيد