شهد الوطن العربي ثلاث جرائم مروعة في شهر أكتوبر من العالم الحالي، تبعتها صدمة كبيرة داخل أوساط الرأي العام العربي مع تزايد دور منصات التواصل الاجتماعي في انتشار تفاصيل الجرائم الثلاث وبث مواد مرئية خاصة بها، ولقد كانت الجرائم الأخيرة لما فيها من بشاعة وتجرد فاعليها من أبسط معاني الإنسانية كفيلة بحد ذاتها أن تقشعر منها الأبدان وتنفطر من قساوتها القلوب.

وليس بمستغرب أن ترفض الفطرة السليمة مظاهر العنف والقسوة والوحشية واستنكار الجريمة بكل صورها على النحو الذي رأيناه في حادثة فتى الزرقاء؛ حيث كشفت الجريمة عن ظاهرة الثأر القبائلي في أبشع صوره وقيام مجموعة من الشباب بتقطيع أطراف وفقأ عين فتًى في السادسة عشر من عمره في مدينة الزرقاء قرب العاصمة الأردنية عمان.

تبعت هذه الواقعة، حادثة أخرى لفتاة مصرية تدعى مريم محمد، تم الاعتداء عليها بالسحل أثناء عودتها من عملها في أحد شوارع القاهرة بدافع السرقة بالإكراه، ثم فارقت الحياة بعد أن دهستها عجلات الجناة، كان لموتها أن فجر غضبًا في الشارع المصري وتعاطفًا كبيرًا مع ضحايا العنف ضد المرأة في كل مرة تشهد فيها البلاد حدثًا مماثلًا.

وما هي إلا أيام ثم كانت الجريمة الأخيرة في العاصمة العراقية بغداد بعد أن قامت أم بإلقاء طفليها في مياه نهر دجلة في مشهد صادم، أثار ردود أفعال غاضبة في البلاد وخارجها، وأنها أقدمت على ارتكاب جريمتها مدفوعة برغبة انتقامية من طليقها الذي كان يملك حضانة الطفلين، وكان لهذة الجرائم الثلاث أن استرعت الاهتمام لتسجيل عدد الملاحظات:

على الرغم من اختلاف دوافع كل جريمة عن الأخرى إلا أن البيئة العربيه هي بيئة واحدة ومنتجة لنفس أنماط وقيم السلوك والأعراف المجتمعية وبالتالي مظاهر الخلل المنعكسة في تولد السلوك الاجرامي، وتحديدا في مجموعة بلدانها التي تعاني ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية مشابهة، فالجريمة تعبير عن الرغبة في التغيير والرفض للظروف المحيطة أيا ما كان منشأها، ومن ثم كان اهتمام العلوم الاجتماعية بدراسة عوامل الجريمة الاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية ومحاولة تفسيرها وطرح حلول بشأنها لتقليل معدلاتها والقضاء عليها.

الجريمة لها مصادرها النفسية كالرغبة في الانتقام والاضطراب الداخلي والكبت لإشباع احتياجات تدفع بالتفكير وتنفيذ أي سلوك مجتمعي منحرف بل والتمادي فيه وتكراره، ومن هنا تأتي المسئولية الذاتية التي يتحملها صاحب الفعل الإجرامي طالما أنه عاقل ويمتلك الارادة الحرة في اتخاذ قراراته، وكان لهذا الباب اهتمام آخر من قبل علماء النفس الجنائي في دراسة نفس المجرم وتفسير سلوكه العدواني ومحاولة تقويمه وإعادة ضبطه، ولعل هذا يفسر تسمية السجون بمراكز الإصلاح والتأهيل؛ حيث محاولة إصلاح الخلل النفسي والتأهيل للانخراط المجتمعي والاستعداد للضغوط والقيود المجتمعية وتقبلها وعدم الحيد عنها.

الجريمة ليست أمرًا مستحدثًا في مجتمعاتنا العربية أو المجتمعات الإنسانية في عمومها، ولقد شهدت البلدان العربية جرائم عنف مماثلة ومتقاربة في فظاعتها مع تلك الأخيرة التي شهدتها الأردن والعراق ومصر، ولإن كان انتشار أخبار هذة الجرائم قديمًا مقصورًا على الصحف ووسائل الإعلام الرسمية، أصبحت الآن وسائل التواصل هي المصدر الأول في توثيق ونشر أخبار الجرائم، وهذا ما تم رصده في جريمة فتى الزرقاء من خلال تصوير مرئي قام به أحد المواطنين للمجني عليه وبثه على مواقع التواصل الاجتماعي ومن ثم انتشاره، ثم كان التحرك الأمني لاحقًا.

أصبحت الأخبار في مجملها وأخبار الحوادث تحديدا عرضة للشائعات والمبالغات وفقدانها المصداقية والتوظيف لغايات ليس لها علاقة بالجريمة مع تداولها المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي بما يسهم في فقدان الأمن والسلم المجتمعي، كما في قضية فتاة المعادي وربطها بدافع التحرش الجنسي في حين كشفت التحقيقات أنها بدافع السرقة بالإكراه. وهذا هو ما يمكن وصفه بالشحن المجتمعي السلبي تجاه هذا النوع من الجرائم، فهناك مخزون سلبي في الوعي المجتمعي المصري يربط أوتاماتيكيا بين أي واقعة عنف ضد المرأة بالتحرش الجنسي، وهذا هو يمكن أن يساعد في قياس وتقدير توجه الرأي العام تجاه قضية معينة واقعيا أو وهميا، سلبا أو إيجابا.

مع الانتشار الواسع للجرائم الثلاث بفعل منصات التواصل الاجتماعي، تجاوز تأثيرها النفسي حدود مجتمعاتها الأصلية إقليميا؛ حيث فجرت ردود فعل عربية واسعة النطاق، فالأثر النفسي واحد خاصة مع الشعور العربي الوحدوي المتجذر في نفوس المواطنين العرب، كما أخذت القضايا الطابع الدولي واكتسبت تعاطفًا من قبل منظمات ومؤسسات دولية مثلما أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة والأمومة «اليونيسيف» في عمّان عن صدمتها وحزنها لما جرى للفتى الأردني.

كما لوحظ أن هناك رغبة شدية لدى الرأي العام في تحديد عقوبة الجاني وهي عقوبة انتقامية مدفوعة بالعواطف، في حين أن القانون الجنائي للدولة هو من يحدد نوع العقوبة، وبالتالي نجد هناك فقدانًا للثقة في القانون وعدالة المؤسسات القضائية بعد الحكم على الجناة والتي ربما لا تستجيب وتطلعات الرأي العام لأن المواطن العادي مدفوع برغبته الانتقامية في حين أن القانون مدفوع بتحقيق العدالة القانونية والردع المجتمعي والعلاج الإصلاحي للمجرم.

كشفت الجرائم الثلاث عن مشكلات قائمة بالفعل في مجتمعاتها، وأن هذا الغضب لا يمكن تفسيره فقط بفعل انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، وإنما بمشكلات قائمة بالفعل فنجد في مصر قضايا العنف ضد المرأة والتحرش الجنسي خاصة مع التكرار لجرائم مشابهة، أما في الأردن فقد كانت الجريمة سببا في عكس مدى استفحال قضايا الثأر والبلطجة وفرض الإتاوات، كما أن قضية العراق تفتح باب إعادة النظر في قوانيين الأمومة والقوانين المتعلقة بحضانة الأطفال، وليس في هذا تبريرا لمرتكبي الجرائم، ولكن لدراسة أسبابها وبحث سبل القضاء عليها.

لم تخرج الدراسات المجتمعية والأبحاث الجنائية عن ذاتيتها في التعريف بالجرمية وأسبابها ودوافعها ومقترحات الحد من معدلاتها، والربط بين الأسباب المجتمعية ومدى تأثيرها على نسب معدلات الجريمة، وليس غنيا القول عن مدى الربط بين معدلات الفقر والبطالة وانخفاض مستوى الأجور والضعف الأمني والتفكك الأسري وتدهور التعليم وضعف التربية الدينية، واستشراء الفساد الأخلاقي وارتفاع معدلات تأخر سن الزواج ومعدات الطلاق وسوء الأوضاع الاقتصادية، كلها عوامل ساهمت في وجود العنف الإجرامي على النحو الذي لم نشهده من قبل.

وأخيرًا فإن كل من هذة النقاط تفتح بابًا لتساؤلات حول مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في قضايا السلم والأمن المجتعي، وما هو الحد المسموح به لتناول ونشر وتوثيق الجرائم على منصاتها؟ وما هو حجم الأثر النفسي وراء نشر الجريمة بهذة الصورة؟

كما أن هناك تساؤلات حول البحث في كم وكيف معدلات الجريمة في الوطن العربي والاعتراف بوجود مشكلات لم يعد السكوت عنها والتعامل العادي معها مجديا، وعلى رأسها قضايا البلطجة والثأر في الأردن وقضايا العنف ضد المرأة في مصر وقضايا الطفولة والأمومة في العراق.

الحلول معلومة للجميع، ولكن الرغبة في التغيير الحقيقي هي ما تفتقده مجتماعتنا، فالحكومات لا تملك عصا سحرية لتغيير السلوك بين يوم وليلة، ولكنها تملك التوجيه والنصح والإرشاد وتطبيق القانون، ثم دور المواطن العربي في تحمل مسئولياته المجتمعية تجاه نفسه ووطنه ودينه ورفض السلبية والمشاركة المجتمعية في القضاء على الظواهر الإجرامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد