هل تعلم ياصديقى أنه من السهل جدًا ارتكاب أبشع الجرائم، بل أفظعها، دون رادع أو حساب، أو حتى مُساءلة من أحد؟ حقًا!

ولكن كيف يحدث ذلك؟

قبل معرفة كيفية حدوث ذلك، الأحرى بنا أولًا أن نسأل من الذى أرسى قواعد هذا المفهوم الشيطاني في الأرض، وكيف طوعت له نفسه تصدير هذا النهج دون تأنيب لضميره الإنساني؟

بل من الذي كان عنصرًا مساعدًا في تحويل ضمير الإنسانية إلى وحوش تفتك بهذا الضمير المنعدم أجساد الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة أمام أنياب هذه الوحوش.

هؤلاء الذين أسسوا لهذا المفهوم الذي يتنافى مع طبيعة وفطرة النفس البشرية، قالوا قديمًا إن أكبر الجرائم إذا وزعت على عدد من الناس أصبح من المستحيل أن يُعاقب أحد من مُرتكبيها، وإذا كان الذي يعلم الجريمة لا يصنع أداتها، والذي يصنع أداتها لا يعلم عنها شيئًا، فإنها تتم في سهولة ويُسر.

من المؤكد أنك سمعت عن هذا الجنيرال الروسي ميخائيل كلاشنيكوف الذي عرفه كل العالم من خلال سلاحه الرشاش الذي اخترعه واشتُهر باسمه، والذي نال بعد اختراعه عدة أوسمة، منها وسام القديس أندراوس من الإمبراطورية الروسية، والذي يُطلقون عليه الوسام الأرقى في روسيا، وأيضًا وسام بطل الاتحاد الروسي. هذا الرجل بعد هذا الإنجاز الذي صنعه، وهذه الأوسمة التي حازها، لم يكن يعلم وقتها تبعات اختراعه هذا، وكم من ملايين البشر على مر الأزمنة والعصور سيُقتلون جراء هذا الاختراع، وهذا تفسير ما قيل: إن الذى يصنع أداة أي جريمة ولا يعلم عنها شيئًا فهي حقًا تتم في سهولة دونما تعقيد للأمور.

ولكن هذا التوزيع يجعل العقل البشرى في حيرة!

أين يقع عذاب الله إذًا.. وعلى من سيقع؟

وهكذا.. تُرتكب أكبر الجرائم دون عقاب.

ألا ترون أن البشر الآن لا يُعاقبون أحدًا على ما يُرتكب مثلًا بعد الحروب من أهوال وفظائع وقعت بها، هذه الأهوال التي ربما يرتعد من هولها كل من يسمع بحديثها بعد أن تذهب عن الناس الحمى التي تعتريهم عند بداية أولى شرارتها، وأن الله والناس لا يُعاقبون على هذه الجرائم، لماذا؟

باختصار.. لأنها تُرتكب باسم الجماعة، ولأن الذنب فيها موزع توزيعًا يجعل العقاب الرادع ظلمًا، إذا عوقب فردًا بعينه، ولا يجوز على الله أبدًا أن يظلم أحدًا من خلقه، وإذا عوقب كل فرد على قدر نصيبه من الذنب، وهذا وحده هو العدل، فإن هذا التوزيع يجعله أقل من أن يحمل التركة أحد بمفرده.

يا صديقى، إن ضمير الفرد لا يمنع أن ترتكب الجماعة أعظم الذنوب، ما دامت تُرتكب باسم المجموع! والضمير وحده هو الذى يصرف الناس عن الشر، والجماعات لا ضمير لها، ولا ينزعج أحد من أفرادها ما ترتكبه جماعته، مهما يكن الإثم عظيمًا.

وانظر الآن إلى ما يحدث في الحروب، حتى الذين يتقصون أخبارها بعد أن ينتهى أمرها، ويُذهلهم ما حدث فيها من ما لا يُطيقه ولا يتحمله العقل ولا الضمير الإنساني، مهما يكن به من غلظة وقسوة، ولعل الفئتين المتقاتلتين لا يكون فيهما رجل واحد يرضى عن الحرب التي يقاتل فيها لو احتكم إلى ضميره وحده، ولكن الجماعة تُقدم عليها مبتهجة وفرحة،
نعم تلك أمور لا يقبلها عقل، ولكن ما يفسر هذا التناقض. إن الجريمة مهما تكن مبينة، يسهل وقوعها إذا وزعت توزيعًا يجعل نصيب الفرد من ذنبها أصغر من أن يضطرب له ضمير.

القائد الذي انتصر على عدوه وهزمهم شر هزيمة، وأراد أن ينتقم ممن أسرهم في هذه الحرب، فسولت له نفسه بأن يفقأ أعينهم جميعًا، على أن يترك على رأس كل مائة منهم واحدًا بعين واحدة (أعور) يقودهم.  الشاهد من هذه القصة، لو أن القاضي حين يحكم بالإعدام على أي متهم مثلًا، لو تولى هذا القاضي تنفيذ حكمه، لكان له رأي آخر في إعادة النظر والتدقيق أكثر من مرة في الأدلة.

والقائد الذي يأمر جيشه بأن يُسرفوا في القتل، إنما هو يأمر وفقط، وعلى غيره من أتباعه وجنوده أن يقتلوا ويُنفذوا أمره.
وقديمًا عندما تآمر السفلة على قتل أنبياء الله ورُسله إليهم، كان قتلهم يتم على هذا النحو، أي موزع على الناس توزيعًا يجعل الجماعة وحدها هي القاتلة.

يا صديقى إن ضمير الفرد الإنساني أقوى ما يهديه إلى الخير، بل هو وحده سبيل الهدي إلى الحق، ولكنه يخطئ ويضطرب، حين تُعرض أمامه أمور الحياة، ويكون عليه أن يختار بين أمرين لكل منهما وجهته من الحق.

وفي هذا الصدد أحببت أن أسرد في عُجالة إحدى المآسي التي حدثت لطائفة من المسلمين والتي مرت على البشرية مرور الكرام، ولكن ظلت ذكراها شاهدة على جريمة من أفظع الجرائم المنكرة، والتي غاب فيها الضمير، بل غُيب فيها العقل البشري، وتحول فيها أصحابها إلى وحوش، فقط لتنفيذ أمر قائدهم.

هناك.. حيث القارة الأوروبية في سراييفو، وتحديدًا في البوسنة، مأساة سجلها التاريخ بأحرف من دماء العذارى على أيدى مجرمي الصرب، وأحداثها يشيبُ لها الرأس من هول ما يسمع عنها. هل سمعت عن اغتصاب لجماعة كبيرة من النساء يتم في صورة جماعية وبطريقة وحشية جدًا وفي العلن، أم هل سمعت عن اغتصاب يتم بصورة يومية في الليل والنهار، وذلك حتى يتأكد جنود الصرب أن الضحية قد حملت منهم؟! وهؤلاء النساء المغتصبات من كان لها طفل من الذكور كان جنود الصرب يذبحونه بالسكاكين بقطع حنجرته، ويضعون الأطفال على طاولة وسلاح السكين في رقابهم، وبعدها يغتصبون أمهاتهم.

وقتها قُدر عدد المغتصبات بين 20 ألفا إلى 50 ألف، والمجرمون طلقاء ولم يتم معاقبتهم، بل كانت النساء حتى وقت قريب في البوسنة لا يزلن يرين مغتصبيهن أحرارًا أمام أعينهن، حتى محاكم الأمم المتحدة التي عول عليها كثير من الناس عبر العالم في الإنصاف وإرجاع الحق لأهله، كانت صورية فقط لزيادة الإهانة والعذاب النفسي للمسلمات المغتصبات، إذ تم تبرئة المجرمين رغم الأدلة القاطعة لإدانتهم، وهم طلقاء، بل بعضهم جيران للضحايا!

من بين هؤلاء اللاتي اغتصبن ثمان صبايا مسلمات اغتصبهن جماعيًا أربعة رجال، ورغم ثبوت الأدلة، أفرجت عنهم محكمة الأمم المتحدة، وهم إلى وقت قريب من الآن كانوا يعيشون على بعد ٢٠ كيلومتر، وأقل من ١٠ دقائق من الضحايا! إحداهن أصيبت بنوبة قلبية وماتت بعد ذلك، وأخرى انتحر ابنها.

هذه الاغتصابات كانت أصلًا في المناطق الخاضعة لحماية الأمم المتحدة، فكان من الواضح جدًا ولا زال قائمًا في عالمنا أن الحماية هي للمجرمين المغتصبين وفقط. أما الشفاء على الطريقة الشيطانية (طريقة الأمم المتحدة) أيضًا، فهي أن تجمع الضحايا مع الجنود للنقاش والحوار البناء!

حتى النساء الصربيات كن يشاركن في التعذيب وتسهيل عمليات الاغتصاب الجماعى جنبًا إلى جنب مع الجنود الصرب
وعندما نادى البعض من أحرار العالم بملاحقة مجرمي الحرب من الصرب والكروات، بسبب جرائم الاغتصاب التي ارتكبوها بحق آلاف النساء في البوسنة، سارعت الدول الأوروبية وقتها لمنع ذلك! وبعدها قللوا تمويل وطموحات المحكمة، فاندثر عملها أكثر مما كانت عليه في السابق!

بقي أن تعلم أن الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك قائد الجيش الأمريكي في البلقان وقتها، والمرشح للرئاسة الأمريكية بعدها، تبادل الهدايا والقبعات مع راتكو ملاديتش جزار البوسنة، بعد وقوع هذه الجرائم، أما رادوفان كارادتش قائد صرب البوسنة، اعتبرته الكنيسة اليونانية الأرثوذوكسية بطلًا نصرانيًا، وواحدًا من أهم جنود يسوع بحسب قولها، بل أعطته وسام الفارس سانت دونيسيوس، كما اعتبرت الكنيسة اليونانية أن الصرب هم خط الدفاع الأول الذين اختارهم الرب في الغرب لحماية المسيحية الأرثوذوكسية بعد هذه الواقعة.

أرأيت ياصديقي؟!

كيف يتفوق الآدمي في غوايته على الشيطان الرجيم، حتى أن الشيطان نفسه لا يزين للناس أعمال السوء كما أغوى قائد الصرب جنوده وأمرهم بفعلتهم التي أقدموا عليها بكل وحشية، من المؤكد أنه طمأنهم قبلها أنهم بمنجاة من العقاب لأن الجرم أصلًا سيكون موزعًا على المجموع، فيصعب محاسبتهم وعقابهم، وعلى هذا المنوال مضى كثير ممن حولوا فطرة النفس البشرية بطبيعتها المُسالمة إلى ذئاب بشرية لتُشبع رغباتها ونزواتها وشهواتها دون التفكير في التبعة، من عقاب أو مُساءلة أو ما شابه، فهؤلاء ما أساءوا أدبهم، إلا لأنهم أمنوا عقابًا لجريمتهم.

يا سادة إن الخير والشر واضحان وضوحًا لا ريب فيه حين يتحدث عنهما القرآن الكريم، وكنت أحسبهما لا يختلطان، ولكنني لم أعد أتبينهما على ما كنت أعهد من وضوح من كثرة ما نسمع ونرى في عالمنا هذا، ولكن يبقى عزاؤنا الوحيد أننا على يقين من أن هناك بقية خير في ضمائر الناس ونفوسهم، وهذا كفيل بأن يُبقى لدينا بعض الاطمئنان في نفوسنا حتى نستطيع أن نُكمل سيرنا في هذا الكون الغريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

كتاب "البوسنة والهرسك قصة شعب مسلم يواجه العدوان" إصدار دار الاعتصام 1994_ كتاب "عندما تنطق الجماجم" إصدار دار القلم 2011
عرض التعليقات
تحميل المزيد