المدارس والجامعات لا تخرج فقط آلاف الطلاب في كل عام، لكنها تخرج معهم أيضا الآلاف من الأمراض المتوطنة، نواتج مشوهة لممارسات طويلة المدى تقترن بالتعليم، ولا أدري لأي مدى هي مقصودة.

1- تربية الخوف

الخوف من الواقع، والخوف من المستقبل والمجازفة، ربما بسبب أنواع العقاب غير المنضبط التي تسبب الإحراج للطفل، كالضرب والشتائم والاستهزاء به أمام الناس، وتفضيل زملائه عليه، خوف التلميذ من الخطأ، ومن ردود أفعال الآخرين تجاه طريقته عائق كبير. قد يزول العقاب البدني، لكن يبقى أثره.

2- غرس الحقد

فضلا عن عدم قدرة المعلم على تأكيد المهارات المطلوبة – وعن تجربة – قد تصدر عنه ممارسات كفيلة بكراهية التلميذ للمدرس وزهده في مادته، وربما للدراسة كلها؛ مما قد يسبب تعثره فيها للأبد، بالإضافة لكراهيته لزملائه إذا ما قورن بهم.
للمعلم والعائلة! دعوا التلميذ يتكلم بحُرية, ويحاول! دعوه يتعثَر ويتـعلم ويستمتع بالوقت الذي يمضيه في التعلم بفاعلية!

3- ردع الإبداع

وقتل الثقة والفضول وتضييق الأفق، كنتيجة لتبني طرق تصحيح سيئة، وتقويم نمطي. ومثل هذه الجريمة لا تتم في يوم وليلة، لكنها تربى على مدار السنين، تماما كما يربى الأطفال، سيتشرب معها التفكير الجامد والنمطي وفقدان القدرة على القياس والتخمين.

4- صناعة فجوة بين المدرسة والواقع

كالتي تنشأ بسبب إدمان الإنترنت؛ وذلك بسبب تبني نظام تعليم منفصل عن الواقع، يتخرج الطالب منه ليصطدم بالواقع المختلف لينحرف أو يجن أو يفشل ويعيش ميتا.
وقد ينتج ذلك عن عدم صلاحية أدوات النظام المدرسي، فيتخرج الطالب ليجد أنه محتاج لعشرات الكورسات غير المجانية ليتمكن من الانخراط في سوق العمل في مجال لا يمت لدراسته بصلة. وسواء كان ذلك خطأ واضعي المناهج أو التدريس أو حتى خطأ المنظومة ككل، ففي النهاية المدرسة شيء والواقع شيء آخر.

5- الإلزام وعدم الالتزام

التعليم الأساسي إلزامي، عليك أن تلتحق به، وإلا سيرفضك المجتمع وينظر لك بدونية، ومع ذلك لا تلتزم الدولة بتوفير وظيفة مناسبة لكسب قوت وكرامة كل خريج منه. إنه يشبه وضعك في قارب بدلا من جلوسك وحيدا على جزيرة، لكنه لا يعدك بأن يوصلك لبر الأمان.

6- الإذلال

وهذه هي النتيجة الحتمية لعدم التزام المنظومة بإيجاد فرصة مناسبة لك، بعد ما تقدمه من مجهودات دراسية كما طلب منك. الإذلال بالإلجاء للوظيفة كخيار وحيد للدخل، فالشخص الذي يمتلك فقط المهارات التي تقدمها المدرسة اليوم لا يصلح إلا موظفا. ويا ليته كان إيجاد مثل هذه الوظيفة سهلا.

7- تضييع الفرص

الإلزام بالتعليم الحكومي يضيع معظم الفرص لإنماء أية مهارات أخرى على الطلاب الذين لا يتكيفون مع نظام التعليم المدرسي، ويضيع معها الوقت والفرصة لسلوكهم مسارا من نوع آخر قد يؤدي بالتلميذ لاحقا لكسب قوته وتحقيق أمنه.

8- تربية مجموعة من العقد الثقافية

بناء ثقة الناس التامة بمنظومة فاشلة، فضلا عن تعويدهم على الانجبار، واستكمالا لردع الإبداع يظل الناس – مهما علا شأنهم – مؤمنين بأن الوظيفة الحكومية هي بر الأمان الوحيد. الثقة بنظام فاشل هو أحد الأمراض التي تؤكد لدى الأطفال ويكبرون معها، والغرض منها ترويض الإنسان؛ ليخضع للأفكار التي يولد ليجدها حوله، ويموت وهو مقتنع بها، فلا يحدث أي تأثير، ومن مظاهر ذلك:
● تثبيت فكرة الشهادات.
● تربية عقدة الخواجة.

9- الاستغلال

وضع الطالب تحت سلطة المدرسين المباشرة أحيانا يدفع بعضهم لاستغلاله بالدروس الخصوصية، سيعلمه ذلك درسا لن ينساه في “تقديم الرشاوي”، وبطريقة عملية. فهي قادرة على تمريره من أية سلطة، كما يفعل مع مدرسيه، عندما يوقن بأن الأمر تجارة، وأن مصلحته ليست في حسبان أحد، ولن تفلح الكلمات الرنانة في إقناعه بالعكس، فالعملي أثبت من النظري.

10- ظلم المعلم

شعور التلميذ بأن كل هم المدرس نقود الدرس، وراتبه آخر الشهر هو شعور كفيل بتأكيد إسقاط هيبته مرة واحدة لا تقوم معها لها قائمة مرة أخرى، وما ينبني على ذلك من آثار، من تقليل احترامه للمعلمين، والاستخفاف بما يقومون به، وهي شيء يتهامس به التلاميذ ويعلنونه. ويشارك المعلم نفسه أحيانا في وضع نفسه في هذا الموقف، وإن لم يفعل هو فالإعلام والحكومة له بالمرصاد.

11- عزل المجتمع عن المدرسة

فأفضل مناخ لتعلم شيء ما أن تعيش في بيئة تؤمن به، وإلا ستبدو غريب الأطوار، ولن تتمكن من التأقلم معها. يتأكد العزل بعدم مبالاة المسئولين عن توفير بيئة مناسبة لنمو الصغار خارج المدرسة، وبسبب الفجوة بين الواقع وبين ما يتم تدريسه.

في الواقع تعمل هذه الأشياء معا، وبشكل متصل جدا، لتخرج لنا في النهاية “مواطنا سيئا”. ولا يعاقب القانون على تلك الجرائم وغيرها؛ لكونها: طويلة المدى ويصعب تحديد المتسبب فيها، كما أنه يشترك فيها العديد من الجهات والأشخاص حتى إنها لتبدو غير مقصودة.
فإن تحدثنا عن أن الوزارة والحكومة مسئولتان بتجاهلهما للتعليم وبقوانينهما غير المناسبة، وأن كليات التربية تقصر في إعداد المعلمين، وأن المجتمع والإعلام لا يساهمان في إيجاد بيئة جيدة لاحتضان قضية التعليم، هذا جنبا إلى جنب مع تقصير المعلم والطالب في أداء دوريهما – ففاقد الشيء لا يعطيه – فإننا بذلك نحمل المسئولية معا. وإن لم نستطع تحديد من يقوم بالجريمة فأضعف الإيمان أنه ربما يمكننا تحديد الممارسات التي تؤدي لها، ولو أنه قد وضع لكل منا دورا دقيقا في المنظومة لأمكن إصلاح الأوضاع ومحاسبة كل متسبب وإيقافه في الوقت المناسب.
لكننا تحكمنا العشوائية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد