بعد عام والأزمة الخليجية تراوح مكانها، وبمعيار المنتصر والمنهزم فإن الكفة تميل إلى دولة قطر، التي عُرفت بسياستها الحكيمة أن تمتص الصدمة، وعلى كل الأصعدة؛ الدبلوماسي والاقتصادي، والعسكري. كما كان الإعلام القطري منظمًا ومحترفًا، وفي مستوى التحدي أفسد كل الحملات التي شنت من أجل تشويه صورته، تحت مشجب وشماعة «الإرهاب»، وقُلب السحر على الساحر.

أبوظبي لها أكثر من موطن لرعاية الإرهاب في اليمن وليبيا… إلخ. وهي ملفات كانت من المسكوت عنها إلا أن الإعلام القطري قد جعلها لا تنطلي على أحد، وخاصة المشاهد العربي فالأدوار المشبوهة لأبوظبي التي تفوق حجمها أصبحت فوق الطاولة.

إذًا الاستراتيجية الإعلامية لدولة قطر نجحت إلى حد بعيد في إفشال المخطط الدنيء، الذي دبر وخطط له في أبوظبي، التي ورغم الكم الهائل من القنوات العربية وسكاي نيوز (شبكة الإعلام الإماراتي) وكذا الآلاف من المواقع الإلكترونية، وجيش من المرتزقة الإلكترونيين يفوق مرتزقة «black water» لم يستوعبوا حجب الحقيقة الماثلة للعيان؛ وهي أن قطر تعرضت لمؤامرة إقليمية بتواطؤ بعض الدول الغربية، أو نقول تماهيها بالأحرى.

أما على الصعيد الدبلوماسي، فوزير الخارجية الشاب «محمد بن عبد الرحمن» قد استطاع بحكمة بالغة أن يقود حملة الدفاع عن الحيف الذي تعرضت له بلده، وعبر جولات مكوكية في عواصم العالم، وفي العديد من المحافل الدولية، وضّح الأبعاد الحقيقية للحصار الظالم على بلاده، والأسباب الواهية التي اتّكأت عليها دول الحصار في إجراءاتها، وقد لَقِي خطابه صدىً إيجابيًّا في عواصم عربية وأوروبية، مثل الجزائر، والمغرب، وألمانيا، وفرنسا وهي دول لها ثقلها في المحافل الدولية.

وهذه الجهود أقنعت العالم أن الأسباب الواهية التي اختلقتها دول الحصار ليست مقنعة لتغيير مواقفها، رغم أن دول الحصار حاولت شراء مواقف بعض الدول، كما حدث مع النظام الموريتاني الذي غامر بموقفه، رغم الرفض الشعبي لاستعداء دولة قطر.

أما اقتصاديًّا فالحل كان سريعًا، والبدائل كانت أفضل، رغم أن دول الحصار راهنت كثيرًا على هذا الجانب الذي يؤثر كثيرًا على الموقف السياسي، فقد وجدت دولة قطر وفي وقت وجيز حلولًا من خلال موانئها وخطوط طيرانها، جعلت الاقتصاد القطري ينوع من مصادر التمويل والالتفات إلى تشجيع المنتوج المحلي، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، عندما حظرت أي منتوج مصدره دول الحصار، مما صدم هذه الأخيرة وجعلها تعيد تقييم إجراءاتها.

بالمقابل تزداد حالة رأس حربة دول الحصار «الإمارات»، في الانكسار السياسي والاقتصادي، فقد طُردت شركة موانئ دبي شر طردة من موانئ الصومال، التي رفضت سياسة الابتزاز، التي ينتهجها حكام أبوظبي، كما كانت جيبوتي قد فعلت؛ إذ هي الأخرى لم ترضخ لمطالب أبوظبي، التي لا يقبلها إلا سيسي مصر، أو حفتر ليبيا، أو كل من فقد شعبيته، وكانت أزمة «سقطرى» هي آخر فصول مسلسل الإهانات المتكررة لحكام أبوظبي، الذين أصبحت سياستهم لا تطاق في المنطقة.

ورغم عام من الحصار والتهديد، فإن هذه الأزمة المفتعلة قد أسقطت أقنعة لم تكن لتعرف كم أنها بينت حقيقة مواقف بعض الأنظمة التي تتنافى وما هو معلن، وأولها إن مفهوم العمل الخليجي المشترك ينبغي إعادة النظر فيه، كما أن موقف قطر من قضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين هو الذي جعل الجماهير العربية تقف إلى جانبها، وتتضامن معها، بل إن جزءًا من مطالب دول الحصار هو محاولة إجبار القيادة القطرية على التخلي عن هذه المواقف، ومهما يكن فإن الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك، فالأمير الشاب «تميم» دخل التاريخ من بابه الواسع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد