الخليج العربي من الناحية الجيوسياسية، أكثر اتساعًا من ناحية الجغرافيا، حيث يتسع بهذا المعيار إلى عدد من الدول التي ليست لها سواحل على الخليج العربي، وعلى رأس تلك الدول يأتي اليمن والعراق وسوريا، وبالقطع أي تطورات في هذه الدول تنعكس بالسلب أو الإيجاب على المملكة العربية السعودية التي تتربع على الخريطة، كقارة تربض على جنباتها عدد من الدول تشكل الخليج العربي.

وبما أن الحروب الأهلية ليست مأساة إنسانية للبلدان التي تعاني منها فحسب، ولكن لهيبها يمتد أيضًا إلى دول الجوار، وهذا هو واقع الحال بالنسبة للحرب الأهلية المدمرة التي تدور رحاها في سوريا، وهي إحدى الحروب الأكثر عنفًا في السنوات الأخيرة. لقد تسببت هذه الحرب في دمار واسع ومئات الآلاف من القتلى والجرحى، وتشريد أكثر من ستة ملايين سوري، وإجبار ثلاثة ملايين آخرين على الفرار من البلاد كلاجئين، وما نقوله عن سوريا ينطبق على اليمن والعراق، فالمأساة واحدة مع اختلاف الخسائر الاقتصادية، وأرقام الضحايا والمشردين.

نبدأ من اليمن الذي وصل الوضع فيه إلى نوع من توازن القوى بين المقاومة الشعبية، والجيش اليمني التابع للحكومة اليمنية المدعومة من بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها السعودية، والمعترف بها دوليًّا، وتحالف صالح- الحوثي المدعوم من روسيا وإيران، وهذا التوازن لا يمكن إنكاره الآن بعد إحكام سيطرة الحوثي وصالح على معظم أراضي اليمن الشمالي التي تتمتع بوعورة الجبال، ومن ثم سهولة المحافظة عليها، وصعوبة اختراقها عسكريًّا، إضافة إلى أنه الجزء الذي يشمل أكبر تعداد سكاني (10 محافظات يقطنها حوالي 20 مليون نسمة)، أما هادي فهو يسيطر الآن على معظم الأراضي اليمنية بما فيها اليمن الجنوبي، وهي مناطق صحراوية شاسعة يقطنها ثلاثة ملايين يمني يزيدون قليلًا، الأمر الذي قد يشكل ضغطًا على المملكة لإنهاء الحرب، بما يحقق الحد الأدنى من طموحها الإستراتيجي في اليمن، لما تواجهه من تحديات متفاقمة، أول هذه التحديات: التكلفة الباهظة للحرب التي قدرت بـ (100 مليار دولار حتى الآن) يدخل في هذا الرقم تلك المساعدات التي قدمتها السعودية للدول الحليفة مصر، والسودان، والمغرب وفق تقدير بعض التقارير الصحفية، رغم شح المعلومات في هذا الصدد؛ نظرًا لسياسية التعتيم التي تنتهجها المملكة حيال ذلك الأمر، والمبلغ بالطبع لا يشمل فاتورة شراء الأسلحة التي حلت المملكة فيه في المرتبة الثانية عالميًّا بعد الهند. تم صرف 25 مليار دولار من هذا المبلغ خلال الثلاثة أشهر الأولى من عمر الحرب، إضافة إلى التحديات الاقتصادية الأخرى التي تشمل تدني سعر البترول، وارتفاع العجز إلى مستويات قياسية في موازنتها لعام 2015، الذي بلغ 98 مليار دولار.

التحدي الثاني : عدم تحمس أمريكا وحلفاء آخرين للحل العسكري كحل وحيد للأزمة اليمنية؛ مما اضطر معه ولي ولي العهد ووزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان مهندس قرار الحرب السعودية لوعد الرئيس الأمريكي باراك أوباما في يوليو الماضي بالتوصل إلى حل سياسي للحرب. وتحدث وزير الخارجية السعودي لاحقًا عن الحاجة للتوصل إلى تسوية مع الحوثيين. وقد قللت الرياض من وتيرة حديثها حول علاقات الحوثيين بإيران، مقارنة بالعام الماضي حين بدأت في شن حربها.

التحدي الثالث: التقارير المتواترة التي تأكد وجود اليمن على حافة أزمة إنسانية حادة جراء نقص الغذاء والدواء، بالتزامن مع توجيه انتقادات حادة للمملكة بعد قصفها سرادق عزاء في صنعاء، واتهامها بانتهاك حقوق الإنسان.

التحدي الرابع: وجود المملكة نفسها منفردة في الشمال، حيث إن الإمارات تبدو مترددة في المشاركة في معارك الشمال، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى كون القادة العسكريين الإماراتيين لا يؤمنون بإمكانية تحقيق نصر عسكري حاسم هناك، لكن السبب الأكثر وضوحًا هو كراهة أبوظبي لتيارات الإسلام السياسي المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. على محسن، القائد الأعلى للقوات اليمنية التي تكافح ضد الحوثي في الشمال، فضلًا عن أن العديد من الفصائل التي تقاتل كلًّا من الحوثيين والوحدات العسكرية الموالية لصالح، تنتمي إلى التجمع اليمني للإصلاح، وهو الشبكة السياسية الإسلامية السنية التي تضم أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، وفق مراقبين.

وعلى كل، فقد صرح وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، أنور قرقاش، نهاية العمليات العسكرية في اليمن بالنسبة لبلاده، الأمر الذي تراجع عنه فيما بعد، ووصفت من قبل محسوبين على الحكومة هناك بالزلة التي وصفها المعلق السياسي الأمريكي «مايكل كينسلي» على أنها قول السياسي للحقيقة.

التحدي الأخير: التقارب في المواقف بين أمريكا وإيران بعد إبرام الاتفاق النووي، إذ لا يمكن فصل قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» الذي اعتمده الكونجرس، ومجلس الشيوخ، الأمريكيان، عن مؤتمر جروزني، وعن دعوة وزير الخارجية الإيراني العالم إلى التخلص من الإرهاب الوهابي.

هناك بعد آخر يمكن إضافته، وهو متصل بكل ما سبق، ويكمن في الفوارق الحادة في المصالح الأمريكية- السعودية في اليمن، وخاصة بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، حيث ينظر الجانب الأمريكي إلى الجنوب باعتباره الملاذ الآمن لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب التي تتمتع بجذور عميقة في الجنوب، وخاصة محافظات عدن، وأبين، وشبوة، والتي تشمل معظم الأراضي بين مدينتي عدن والمكلا. وقد بدأ التنظيم في الإفصاح علنًا عن طموحاته التوسعية حتى قبل الضعف الكبير الذي أصاب سلطة الدولة خلال انتفاضات الربيع العربي في عام 2011. وبحلول نهاية ذلك العام، كانت القاعدة في جزيرة العرب قد قدمت مساعدة عسكرية كافية لتمكين حلفائها من القبائل من محاصرة لواء الجيش اليمني داخل زنجبار.

وقد اعتبرت أمريكا هذا النفوذ مكمن الخطر على مصالحها في اليمن؛ لذا تم تكثيف العمليات العسكرية هناك بمعاونة قوات إماراتية، وحلفاء قبليين.

أما السعودية فينحصر تحسسها في التوسع الإيراني الذي يتمثل في صورة دعم صريح وسخي للحوثيين في الشمال دعمًا لإستراتيجيتهم لاستعادة ما تزعم أنه حقها الإلهي، والذي كانت هذه الفئة السلالية نفسها قد فقدته في 26 سبتمبر 1962.

سيناريوهات الأزمة

بدأ الانقلابيون ترتيباتهم بشأن الانفصال السياسي والاقتصادي عن سلطة الدولة وحكومتها الشرعية، وهذا يعني أنهم جادون في تأسيس سلطة أمر واقع موازية في المناطق التي يسيطرون عليها، بالإعلان عن «مجلس سياسي أعلى لإدارة شؤون البلاد» مكون من 10 أعضاء مناصفة بين حزبه المؤتمر الشعبي العام، والحوثيين وحلفائهما السياسيين، الذي أدى اليمين الدستوري يوم الأحد 14 أغسطس الماضي، أمام نواب حزب المؤتمر الشعبي بعد منحهم ثقته التي ستعني من وجهة نظر حلفاء صنعاء إلغاء شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، على الأقل في الشمال، بنقل صلاحياته إلى هذا المجلس السياسي «الرئاسي عمليًّا»، والشروع بإجراءات تشكيل حكومة جديدة أحادية الجانب.

قد يكون إيجاد حل سلمي من خلال الدخول في اتفاق سياسي شامل مبني على قرارات الأمم المتحدة، ووحدة التراب اليمني أحد السيناريوهات المتوقعة، وإن كانت المعطيات على الأرض تشير وبقوة إلى تمسك الحوثيين بالمناطق التي تم الاستيلاء عليها، خاصةً العاصمة صنعاء، وإضافة إلى تمسكهم بثلثي السلطة، الأمر الذي لا يمكن للمملكة وهادي التسامح معه لأنه يعني عمليًّا تسليم اليمن لإيران، واستنساخ تجربة حزب الله تحت مسمى أنصار الله، إلا أن الحراك الدبلوماسي المكثف يشي في الواقع بأننا على مشارف حل سياسي تتقدمه هدنة تستمر لـ72 ساعة، لكنها قابلة للتجديد، حسب ما أعلنه المبعوث الأممي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الثلاثاء 18 أكتوبر الماضي.

وإذا ما نجحت الهدنة في الحد من الأعمال القتالية، سيتم تمديدها لمدة 72 ساعة أخرى، على أن يعقبها إعلان المبعوث الأممي عن دعوة طرفي النزاع اليمني (الحكومة من جهة، والحوثيين وحزب المؤتمر الشعبي العام جناح علي عبد الله صالح من جهة أخرى) للالتئام مجددًا على طاولة مشاورات جديدة الهدف منها إعلان اتفاق سياسي يشمل الجميع، وتتقاسم قوى اليمن المختلفة بموجبه السلطة والثروة.

وفي حالة نجاح هذا المسار سيجد الجميع أنفسهم أمام تنازلات لا يمكن تمريرها إلا برغبة صادقة ومخلصة من القوى المؤثرة، وهي تحديدًا السعودية وإيران وأمريكا وروسيا.

وفيما يبدو لي أن العالم ربما يتسامح مع جريمة التقسيم على اعتبار أن الوحدة اليمنية مؤقتة وعابرة، وأن الأصل هو عودة الأمور إلى ما قبل عام 92، وبتتبع المواقف الدولية من الأزمة اليمنية نجد أن هذا السيناريو قد يكون مطروحًا عند أمريكا التي فتحت قنوات اتصال خلفية مع صالح والحوثي، وكذلك الإمارات التي رعت أكثر من اجتماع لعلي سالم البيض رئيس اليمن الجنوبي السابق، والحراك الجنوبي الذي يدعو إلى انفصال الجنوب، ومكان الإقامة المفضل لأحمد علي عبد الله صالح الذي يعده أبوه زعيمًا سياسيًّا وخليفة له، فضلًا عن أن الانفصال قد يكون خيارًا مفضلًا لروسيا وإيران، أو على الأقل يكون بديلًا متاحًا لإنهاء الأزمة. وربما تدبرت المملكة نصيحة الملك عبد العزيز بن سعود، وهو على فراش الموت عندما قال: «لا تدعوا اليمن يتحد» وفق ما نقله الصحفي الأمريكي سايمون هندرسون في تحليله الأخير، بعد أن قسمت الحرب اليمن بحكم الأمر الواقع، وزاد الاستقطاب السياسي إلى مستوى كارثي.

فهل تجد المملكة نفسها مضطرة لقبول سيناريو التقسيم إذا ما فشل سيناريو الحسم لصالحها في الشمال، وسيناريو الحل الشامل، وقبلت أمريكا وروسيا وإيران والإمارات بهذا المبدأ، أم لا؟

هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة إن شاء الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخليج
عرض التعليقات
تحميل المزيد