في ظل فيروس الكورونا والأزمات السياسية العالمية تبين أن الإنسان كان ولا يزال يعيش صراعًا مع «إنسانيته» ويحاول أن يكتشف ذاته. الأساطير و«العرق الآري» لا تزال العناوين الساخنة والمكتوبة بالخط العريض مما يبعد العلم وكل قيم المساواة والعدالة عن الصورة، لنعود بذلك إلى عصور الظلام بعد أن توهمنا أننا نخوض تجارب تقدم تكنولوجي – حضاري.

لنبدأ أولًا في ملاحظة الوضع العام، انتشار وباء، تصريحات الرؤساء ونخص بالذكر هنا تصريحات الرئيس الأمريكي («اسألوا الصين») التي ساهمت بشكل ملحوظ في بث البلبلة والكره في صفوف شعبه أولا ثم العالم ثانيا، لتنطلق من بلاده شرارات التمييز مقابل احتجاجات تنادي بالعدالة والمساواة التي كانت أمريكا تنشرها (أو من المفترض أنها تقوم بنشرها)، في حين أنها تعاني نقصا فادحا منها. ذلك النقص عرته حادثة قتل فلويد، الرجل الأسود تحت قدم الشرطي الأبيض، لم تكن الحادثة مجرد حادثة قتل عادية بل كانت قطرة الزيت إلى أشعلت «رمز البلد الديمقراطي الحديث».

من تلك الحادثة، بدأت مراجعات كثيرة لمفهوم «الديمقراطية» أولا والعدالة ثانيا، من بيده القدرة على كتابة القانون وتشريعه وتنفيذه؟ من المسؤول عن نشر النظام والالتزام؟ الفئة المستضعفة أم الأغلبية التي تكتب قوانينا تزيد من نفوذها وحقها اللامشروط في إقصاء الآخرين! من يمثل القانون؟ ومن يمثل النظام؟ في هذه النقطة علينا أن نعيد ترتيب أسئلتنا، هل القانون مبني أساسا على تكريس مبادئ العدالة والمساواة و«الديمقراطية» بما فيها من قبول للآخر وتعايش سلمي بين مختلف شرائح المجتمع أم أنه مجرد رمز للدولة دون أي اعتبار لمضمونه وفحواه؟

لننتقل الآن إلى التجربة التونسية في التعامل مع فيروس كورونا، لا يمكن لأي مواطن (خاصة القاطنين بالمناطق الشعبية) أن ينفي غياب تنفيذ إجراءات الحجر الصحي: تواصل المقابلات واللقاءات، جماهير غفيرة أمام أبواب نقاط توزيع السلع للظفر بكيلوجرامين من الدقيق أو السكر والقائمة تطول، علميا فيروس كورونا كان ليؤدي كارثة عظيمة لو انتشر بين تلك الصفوف اللامتناهية، الفئة المحدودة الدخل التي وقفت بالساعات في انتظار مائتي دينار أمام مكاتب البريد تعلم ذلك جيدا. لكن لسبب غير واضح (على الأقل علميا) لنا أن نقول أنه تمت السيطرة في البداية على الحركة بين الولايات التونسية مما ساهم في الحد من تنقل الفيروس من بؤر الانتشار إلى المناطق الخالية من الفيروس. وهو التفسير المنطقي الوحيد ربما الذي يفسر العدد المحدود من الإصابات.

كإجابة على سؤال ما سر التجربة التونسية؟ تتهافت الإجابات «الأسطورية» لتقدم احتمالاتها، بين سخرية من أن الأولياء الصالحين هم من منعوا دخول الفيروس وإيمان وثيق بأن الله هو من جعل بيننا وبينه حجابا، ذلك أن الفيروس لا ينال إلا من الضالمين الكافرين وهو ما يفسر إصابات أمريكا التي تجاوزت الألف إصابة مؤكدة في اليوم الواحد.

لم تساهم الكورونا ولو بشكل طفيف في إعلاء راية العلم كما تم الترويج له بل بالعكس سمحت للعوام بنقاش المختصين و«تمييع» قضية بيولوجية صرفة، لتصبح موضوع جلسات سرية في منازل الأقارب في فترة الحجر الصحي العام. وبما أن الدراسات قد تخطىء وتصيب لم يسامح الشعب التونسي تنبؤات العلماء (التي لا يجوز علميا أن نطلق عليها اسم تكهنات) بإمكانية مرور فترات صعبة فجعل يقول أن التخويف كان مؤامرة وأن الكورونا لا وجود لها أصلا.

ومن هنا بدأ التشكيك في كل شيء، بداية من الفيروس وصولا إلى العلماء الذين تم اتهامهم بالتعامل مع «الشيطان» نفسه لأنهم ساهموا في «تخويف» هذه الشعوب العزل البريئة المسالمة ومنعها من العمل. وبالتالي وجدنا أنفسنا في مواجهة وحش عظيم «الخرافة» والنرجسية المفرطة التي تحولت فجأة إلى تضخم «الأنا» يقوم بحرق مقالات العلماء وتحريفها. العديد من الباحثين أو كما أُطلق عليهم اسم «المؤثرين العلميين» وهم عبارة عن مجموعة من الشباب الذين يطمحون إلى إدماج العلم في «المنطق» الشعبي العام حتى يصبح العامة قادرين على النقد والتحليل بطريقة موضوعية / علمية، لاقوا ردود أفعال تتراوح بين الشتم والاتهامات بالإلحاد لا لشيء إلا لمحاولتهم تغيير الواقع الثابت المتجمد الذي تعوزه المرونة الفكرية.

لم تتوقف ماساة الشعوب عند هذه النقطة فقط، بل صاروا مهووسين لدرجة التمسك بأي «رأي علمي» يتناسب مع ميولاتهم «الإيجابية» المفعمة بالأمل الكاذب غير المبني على الحجة والبرهان. ومن هنا انفجرت ظاهرة «الدكتور راوول ديديي» الفرنسي الذي أكد أهمية الكلوروكين في علاج المصابين بفيروس كوفيد-19. بين موافق ومعارض تداخلت آراء العوام «للإفتاء» في هذا الموضوع العلمي مؤكدين أن فيروس كورونا ليس سوى لعبة سياسية لبيع الأدوية لتكون بذلك خطة رأسمالية محكمة لسلب الأموال. في حين أن العلماء قاموا بنشر مقالات علمية أو علمية /أدبية لنقد عمل الدكتور الفرنسي، فإن ديديي كان «محبوب الجماهير»، الجماهير التي لم تكلف نفسها عناء قراءة ورقته البحثية للتّأكد من صحة ودقة عمله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الـأزمات
عرض التعليقات
تحميل المزيد