ليس ثمة شك في أن ما تتعرض له دول الجزيرة العربية في السنوات القليلة الماضية هو تحدٍّ خطير وجوهري على المستوى الإقليمي والقُطري القريب؛ ذلك أن دخول الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط نظام صدّام منذ العام 2003م، وفشلها على مستوى ضبط الأوضاع الأمنية والسياسية في هذا البلد شديد التباين على المستوى العقدي والاجتماعي والسياسي قد أدى إلى اختلال البنية الاجتماعية للدولة العراقية وتشظيها.

لقد أدّت سيولة الأوضاع السياسية والأمنية التي أعقبت تفكيك الجيش العراقي على يد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر، إلى تعزيز انتشار السلاح بكافة أنواعه، وظهور المليشيات المسلحة التي تخدم أجندات متباينة من أول العقيدة ونهاية بالمصالح وآبار النفط ومناطق النفوذ، الأمر الذي ترتّب عليه رجحان كفة الطائفة الشيعية، وانتقال المظلومية منهم لأول مرة عبر التاريخ إلى السنة. ولمدة عقد من الصراع، تطورت الحركات الجهادية السنية العراقية، ولاقت أرضًا خصبةً، وربما حاضنة شعبية، وتعزّزت قوة تلك الحركات المسلحة بظهور الثورة السورية وتسلّحها، ثم بإسقاط الحدود بين الجانبين على يد تنظم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

ولأول مرّة منذ حرب الخليج باتت المشيخات والممالك الخليجية عُرضة لذلك التحدي الجوهري من الشمال، فتارة تهدد بعض المليشيات الشيعية مثل “حزب الله العراقي” دولًا مثل السعودية، وتارة يهدد تنظيم الدولة ذات المملكة السعودية، وكلا الفريقين يرى في المملكة عدوًا وجارًا يضر بمصالحه، وتعزّز هذا مع انضمام عدد من دول الخليج إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

لم تتوقف التهديدات في الشمال فقط، وإنما أدى سوء السياسة الخليجية في دولة مهمة وإستراتيجية مثل اليمن إلى فشل الثورة اليمنية، ورجحان كفة جماعة “أنصار الله”/الحوثي في السيطرة على مناطق شمال اليمن، ثم السيطرة على العاصمة صنعاء في 22 سبتمبر 2014م، وأصبح الوضع اليمني على شفا بركان شبيه بدرجة كبيرة للغاية بالوضع العراقي والسوري.

تواجه الدولة اليمنية – إن صحّ توصيفها بالدولة – عدة تحديات بنيوية خطيرة للغاية، فجماعة الحوثي تسيطر على محافظات الشمال المحاذية للمملكة السعودية، في حين يقف أنصار الحراك الجنوبي وجماعة “أنصار الشريعة”/القاعدة ضد رغبة الحوثيين الطامعة في الاستيلاء على اليمن.

لقد تمكن الحوثيون من الاستيلاء على عدد من الألوية العسكرية في عمران وصنعاء وغيرها بما في ذلك مخازن الأسلحة، وربما عن قريب سنشهد استيلاء الحوثي على طائرات ومطارات عسكرية مما سيغيّر من موازين القوى بلا شك، وتواجه معه الدولة اليمنية مزيدًا من السيولة السياسية، والتردّي الأمني الخطير الذي لن تقف خطورته على الأوضاع الداخلية اليمنية، بل سنرى خطورتها على مضيق باب المندب المدخل الأهم لتجارة البحر الأحمر، وعنق قناة السويس، ثم الخطورة التي قد تشهدها الحدود السعودية والعُمانية مع اليمن.

بالطبع يمكن أن يُعزى فشل السياسة الخليجية في دول الطوق الخليجي (العراق – سوريا – اليمن) إلى ما يمكن تسميته بالحرب الباردة بين السعودية وإيران، ونجاح المشروع الإقليمي الإيراني حتى الآن في دعم وتثبيت أذرعه الإقليمية في تلك الدول، لكن لا يُمكننا تجاهل اختلال السياسة الخليجية في ملف العلاقات الخارجية بدول الطوق المحيطة بها دون فهم الدور الأمريكي في هذا الملف المهم والمحوري.

إن تشظي الحالة السياسية والأمنية في دول العراق وسوريا واليمن سينعكس بمردود سيء للغاية على الجزيرة العربية، وخاصة الدولة السعودية التي تمتد حدودها مع العراق لمسافة تقارب الـ900كم في الشمال، وحدودها مع اليمن في الجنوب لمسافة 1460كم، والكويت التي تقع حدودها الشمالية كلها مع العراق وتمتدّ لمسافة 190كم وربما على عُمان التي تمتد حدودها مع اليمن لمسافة 288كم.

ولا شك أن دول الخليج تسعى بصورة جاهدة لتأمين حدودها مع مناطق التوتر كما في العراق واليمن، فقد بدأت المملكة السعودية إطلاق مشروع “السياج الأمني” لمسافة 900كم على الحدود الشمالية، ويضم المشروع 8 مراكز للقيادة والسيطرة و32 مركز استجابة على طول الحدود مجهزة بثلاث فرق للتدخل السريع و38 بوابة خلفية وأمامية مزودة بكاميرات مراقبة وعدد أبراج المراقبة والاتصالات بالمشروع 78 برجًا منها 38 برج اتصالات و50 كاميرا نهارية وليلية و40 برج مراقبة و85 منصة للمراقبة و10 عربات مراقبة واستطلاع. كان الملك المتوفى عبد الله بن عبد العزيز قد افتتح المرحلة الأولى منه في سبتمبر 2014م.

وبُدئ العمل فيه في شهر يونيه من نفس العام، بعد ظهور خطر تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان قد تمكن من الاستيلاء على الموصل ثاني أهم وأكبر المدن العراقية آنذاك، لكن حادثة عرعر التي وقعت في بدايات يناير 2015م وأدت إلى مقتل قائد حرس الحدود الشمالية السعودية العميد معوض البلوي وعدد من مساعديه على يد انتحاري وعدد من المقاتلين الآخرين القادمين من العراق، قد فتح الباب مجددًا حول جدوى مشروع “السياج الأمني السعودي” مع العراق!

ومهما يكن من أمر، فإن التحديات الخارجية القادمة من دول الطوق على الجزيرة العربية غير مستبعدة إطلاقًا، ولأول مرة تقف الجزيرة العربية حائرة بين تنظيمات سنية معادية، وتنظيمات شيعية متربصة، وكلّ منها، في الشمال والجنوب، يتزايد نفوذه، وتتضاعف قوته التسليحية والعددية يومًا بعد يوم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد