كثيرًا ما تتعرض الدول بمختلف أنواعها وتوجهاتها وتركيبة نظامها السياسي إلى أزمات وانتكاسات، قد تتطور من داخل الدولة لخارجها أو من خارج الدولة لداخلها، وبعد هذه الأزمات يترتب الكثير على الدول وأنظمتها مسؤوليات كثيرة، منها القيام بإصلاحات، أو تدارك الموقف بالسرعة القصوى ومنع تطور مثل هذه الأزمات، والتي ربما تكون اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو حربًا طاحنة،  والقيام بعدة إجراءات للحفاظ على وحدة الدولة وشعبها، وعدم تدخل الغرباء في شؤونها الداخلية.

سأستعرض في هذا المقال أزمة لجوء أصبحت معروفة عربيًا وعالميًا، وشغلت الرأي العام العربي والدولي، وكما وصفها الخبراء والمحللون بأنها أسوأ أزمة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم وهي أزمة اللجوء السوري.

وكما يعلم الجميع أن الشعب السوري شعب مضياف وكريم، ويحب الخير للجميع بسبب تكوينته الثقافية ومستوى التعليم والعادات والتقاليد، والمبادئ التي تربى عليها هذا الشعب، حيث قبل هذه الأزمة احتضن العديد من اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين، والعديد من الجنسيات العربية الشقيقة، وفعلًا كما قيل إن الزمن دوار ليصبح هذا الشعب هو وسط هذه الأزمة، ليتحول أبناؤه للاجئين مشتتين في الدول العربية والأوروبية بل في مختلف أنحاء العالم.

إثر اندلاع الثورة السورية عام 2011م، قام العديد من السوريين باللجوء لعدة دول عربية وأوروبية بسبب آلة الحرب والدمار في وطنهم الأم سوريا، طالبين في هذا اللجوء أدنى الحقوق الإنسانية وهي الأمن والأمان والعيش بكرامة وإنسانية كباقي البشر في هذه الدنيا، ومن أبرز الدول المستضيفة للاجئين السوريين هي الأردن وتركيا ومصر ولبنان وكندا وألمانيا وفرنسا وبعض الدول العربية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وبلغ عدد اللاجئين السوريين ما يقارب 8 ملايين لاجئ، حيث إن مليونًا ونصف مليون لاجئ في المملكة الأردنية الهاشمية وحدها، طالب السوريون بالحرية والكرامة في بلادهم ولكن سرعان ما انقلبت الأمور رأسًا على عقب، مما أدى لأسوأ أزمة لجوء كما ذكرنا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا.

تعرضوا جميعهم لظروف صعبة، وأقسى معاناة شهدها القرن الحادي والعشرون، كانوا ينتظرون من حكومتهم الإصلاحات والسير في طريق التجديد والتطوير لينعموا بمزيد من الخير والحرية في وطنهم، ولم يخطر ببالهم أن يغادروا وطنهم لاجئين مشتتين في مختلف دول العالم، عندما طالبوا بمزيد من الحريات لم يكن الموضوع المتداول أن ما ينتظرهم هو أصعب من مطالبهم العادلة والمحقة، والتي يطالب بها أي مواطن عادي في أي دولة عربية أو غير عربية، انطلقت مطالب الحرية عام 2011م، وبدأ الفكر الشبابي يناقش مسائل مختلفة مرتبطة بمستقبل الدولة السورية، ويحاكي تغيير النظام القائم والحاكم في سوريا منذ عام 1973 حتى يومنا هذا.

بدأت رحلة اللجوء السوري بداية إلى الدول العربية المجاورة لسوريا، كالأردن ولبنان وفلسطين وإلى الشمال السوري إلى تركيا، رحلوا لاجئين بعد أن رأوا آلة الحرب والدمار تفتك وتقتل الصغير قبل الكبير وتحرق الأخضر واليابس بلا رحمة لأحد، فالكل تضرر وفقد الكثير في هذه الحرب، فمنهم من فقد أخاه أو أباه أو عمه أو خاله وعائلات بأكملها تحت الأنقاض أصبحت البيوت رمادًا وأنقاضًا فوق ساكنيها، مدن عديدة هُجرت بالقوة نتيجة الحرب الطاحنة.

تطور اللجوء السوري في بداية عام 2014م، لتعلن بعض الدول الأوروبية نيتها لاستقبال بعض العائلات السورية، ومن هذه الدول أستراليا والنمسا وكندا وفنلندا وألمانيا والمجر ولوكسمبورغ وهولندا ونيوزيلندا والنرويج وإسبانيا والسويد وسويسرا والدنمارك وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك، ومنهم من هاجر إلى هذه الدول عن طريق البحر من تركيا، ولقي الآلاف حتفهم غرقًا مع عائلاتهم في البحر أو بسبب جرائم ارتكبها تجار البشر، وقاموا بإغراق بعض القوارب التي تقل لاجئين طلبًا للمزيد من المال وبسبب الجشع.

عانى اللاجئون الكثير والكثير من الألم، في البداية بسبب الحرب الدائرة في وطنهم الأم، وحتى هجرتهم عن طريق البحر وغرق الكثيرين منهم أغلبهم من النساء والأطفال، ناهيك عن الصعوبات والتضييق الذي يتعرضون له في دول اللجوء وخاصة في المخيمات، جيل كامل من الأطفال خسروا تعليمهم ولم يلتحقوا بالمدارس وبدؤوا باكرًا ينخرطون في سوق العمل ليعيلوا عائلاتهم، ويؤمنوا متطلبات حياتهم الأساسية، ستة أعوام ذاق فيها الشعب السوري الأسى والقهر، واليوم يسألون الله عز وجل نهاية عاجلة لهذه الحرب الشرسة، ليعودوا لوطنهم سالمين ويعود معهم الأمن والأمان، ليعم أرجاء سوريا الحبيبة كما عهدناها سابقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موضوع
عرض التعليقات
تحميل المزيد