معاهدات إفيان.. الشبح الذي يطال الجزائرين للأكثر من نصف قرن

حراك لم تشهده الجزائر منذ انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 1988، خرج فيه الشعب الجزائري للشارع في مظاهرات مليونية للمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية وتنحي النظام الحالي، بكافة أشكاله من السلطة، وبمطالب رئيسية تتمثل في عدم ترشح الرئيس الحالي لولاية خامسة.

جاء الرد من الرئيس الجزائري سريعًا بعدم إعلان ترشحه لولاية خامسة، وتأجيل الانتخابات الرئاسية لأجل غير معلوم، قرارات قسمت الشارع الجزائري إلى معتقدين أساسيين، فهناك من يرى في ذلك أول إنجاز حققه الشعب من الحراك، ورأي أخر يرى أن الحكومة تماطل وتحاول نسج سيناريوهات جديدة بتأجيلها الانتخابات.

ولكي يكون المواطن الجزائري في الصورة عليه أن يتذكر نقاط رئيسية تتحكم في المشهد الرئاسي في الجزائر.

التدخل الفرنسي «شبكات فرانس- أفريك»

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كشفت فضيحة مدوية سميت بفضيحة «إيلف» قضايا فساد لسياسيين فرنسيين، ارتبطت أسماؤهم بشبكة سرية تابعة لجهاز المخابرات الفرنسي.

تعين الرؤساء أو تنحيتهم، تدبر الانقلابات العسكرية، الاغتيالات السياسية، والعديد من المهام التي تولتها شبكات «فرانس- أفريك» تحت قيادة الأمين العام للإليزي وقتها «جاك فوكار» أمنت لفرنسا احتياجاتها من المواد الخام لأكثر من نصف قرن من القارة السمراء.

«إيلف» التي تحولت بعد الفضيحة إلى «شركة توتال النفطية»، اليد الخفية واللوبي الفرنسي الذي يتدخل في تسيير السياسة الداخلية والخارجية في الجزائر بدعم من المنظمات العالمية، هذا الأخير الذي لن يسمح بصعود رئيس أو وجود نظام قد يشكل خطرًا على مصالحه النفطية في البلد، حتى لو تطلب الأمر قيام حرب أهلية في البلاد، وإداراتهم للصراع عبر المال، أو عبر التدخل العسكري كما فعلته في ليبيا.

حكومة جزائرية ضعيفة!

منذ الاستقلال حاول العديد من الشخصيات السياسية البارزة في الجزائر، نقض بعض البنود السرية من معاهدات إيفيان، لكن تغلغل النظام الفرنسي وجنرالاته وسط سراديب الحكم بالدولة، جعل من هذه المهمة مستحيلة، وأقصى إنجاز وصل إليه الجزائريون كان للرئيس الراحل هواري بومدين بتأميم المحروقات في 1971، وعزله للعديد من الجنرالات الفرنسيين أو الحد من نفوذهم، وما كان ليتمكن من ذلك لولا وزنه السياسي والعسكري والمساندة الشعبية له.

بعد ضعف الجهاز الاستخباراتي العسكري لفرنسا قررت البحث عن حلول جديدة؛ فركزت كامل مجهوداتها على تعزيز «الأوليغارشية المالية «(السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال)؛ ليصبح عندها من الوزن السياسي الذي يخول لها إسقاط وزير أول «عبد المجيد تبون» بعد شهرين فقط من تعيينه، لمحاولته محاربة الفاسدين من رجال الأعمال!

أسعار البترول نحو الأسفل.. هل هي أمريكا مجددًا؟

لا يخلو مشهد سياسي في العالم من التدخل الأمريكي، كذلك المشهد الجزائري، فالمظاهرات التي بدأت في 22 فيفري (فبراير- شباط) بالإضافة للأسباب السياسة، فالأزمات الاقتصادية وتدني مستوى المعيشة، والتقشف الذي تشهده البلاد منذ 2014 (بدء نزول سعر البترول في السوق العالمية) كان له دور كبير في خروج الشعب عن صمته.

فهل لأمريكا غايات وراء ذلك؟ خصوصًا وأنها المتحكم الوحيد والرئيسي في أسعار البترول في العالم، وهي تعلم بأن الجزائر سيكون من أكبر المتأثرين من تدني ثمنه.

العرب.. هذه المرة في الصورة

عادة لا يتدخل العرب كثيرًا في الشؤون الجزائرية، لكن هذه المرة تباينت مواقفهم بسبب خوفهم من نجاح الانتفاضة الجزائرية وانتقال عدواها لدولهم، وسيعمدون بلا شك إلى استعمال كافة الوسائل للإفشال هذا الحراك الشعبي.

المهدي المنتظر

وسط كل ذلك، ما يزال الجزائريون يبحثون عن المهدي المنظر، القائد الذي بإمكانه محاربة الفساد في الداخل والخارج، الوقوف في وجه فرنسا، والمنظمات العالمية، والعرب، والأوليغارشية المالية دون أن يغتال أو يحدث انقلاب عسكري ضده ويطيحه.

حتى نكون صريحين مع أنفسنا، إلى حد كتابة هذه الأسطر، تخلو الساحة السياسية الجزائرية من رجل بهذه المواصفات، وحتى لو وجد هل سيستطيع كسب دعم الشعب ووقوفه معه؟

 

تبقى الحلول داخل دائرة النقاش

إلى حد كتابة هذه الأسطر، ما زالت الحلول الجاري تطبيقها في الساحة الجزائرية شبه منعدمة، وكل ما يتداول هو اقتراحات فقط بتشكيل متحدث رسمي باسم الحراك الشعبي، يكونون من الطبقة المثقفة في الجزائر، يشرفون على تنظيم الانتخابات، وتعيين رئيس يعين إطارات نزيهة، وشريفة، وواعية، ومثقفة بإمكانها الوقوف ضد الاستعمار الفرنسي الحديث، والتأكد من عدم بيعها القضية الوطنية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد