يُقال إن كل أزمة تحمل بداخلها في أحيان بذور النجاح، وفي أحيان كثيرة جذور الفشل. والأزمة ضمن إطار المؤسسات تُعرف بأنها لحظة حرجة تتلاحق فيها الأحداث وتتصاعد في بعض الأحيان حتى تصل إلى درجة فقدان مجلس الإدارة السيطرة عليها أو التنبُّؤ بمسارها سواء بشكل كلي أو جزئي.

لذا فهي مرحلة صعبة، تتصف بحالة من الاضطراب في مسارات العمل الطبيعية. وعادة ما تأتي الأزمة نتيجةً نهائية لتراكم مجموعة من الاختلالات والعوامل التي تؤثر في المقومات الأساسية للمؤسسة.

لعل الدور المحوري الذي تضطلع به وسائل الإعلام في إدارة الأزمات والانتهاء منها لدى المؤسسات بمختلف تخصصاتها، سواء من خلال مراقبة مراحل الأزمة وتصاعد ذروتها والتعاطي معها ومع الجمهور، يدفع للتفكير حول تأثير الأزمة حينما تحدث في وسيلة الإعلام، وكيف سيتم التعامل معها، وكيف سيكون تأثيرها مضاعف بشكل كبير وإلى أي حد قد تؤدي إلى تدهور المؤسسة وخسارة جمهورها وصولًا إلى انهيارها.

تدور حياة الأزمات بخمس مراحل، وفق ما تشير إليه بعض نظريات إدارة الأزمات، وهي، مرحلة بعث رسائل إنذار، ومن ثم مرحلة الاستعداد والتجهز لأي أزمة وتحضير سبل الوقاية، ومن بعدها تأتي مرحلة احتواء الأضرار، ومن ثم مرحلة استعادة النشاط، إذا استطاعت المؤسسة استيعاب الصدمة وكل المشكلات والعقبات التي استطاعت تخطيهم، لتنتقل بعدها إلى مرحلة الاستفادة من الدروس والتعلم من الأخطاء لمنع حدوث سيناريو أزمة جديد.

تُصنَّف الأزمة داخل المؤسسات الإعلامية، من حيث النوع على أنها ذات طابع فجائي عشوائي، كالتي تحصل بسبب تعاطي المؤسسة مع حدث آني وطارئ بشكل يخالف توجهات نسبة كبيرة من جمهور الوسيلة، حيث يعود ذلك لأسباب سياسية ترتبط بتغير المعطيات. أو أن تكون الأزمة ذات طابع شامل، بحيث تسلك المؤسسة سياسة تحريرية مغايرة تؤدي لانقلاب جمهورها، أو بسبب مشكلة أخلاقية تضر بسمعة المؤسسة وعلاقتها مع الجمهور.

الأزمة في المؤسسة الإعلامية تنقسم من حيث العمق إلى سطحية وهامشية التأثير بمعنى محدودية أثرها السلبي على المؤسسة الإعلامية، وبحيث لا تخسر جمهورها أو أن تخسر مواردها المالية، وما عدا ذلك فإن آثار الأزمة تكون قابلة للاحتواء خلال مرحلة ما بعد حدوث الأزمة. و أما الأزمة العميقة بالغة التأثير فإن مداها لا يمكن تحديده، فإما ستكون أزمة عاصفة تؤدي إلى ضرب مصداقية المؤسسة وتأثيرها ومن ثم خسارة حضورها إلى الأبد، وإما إذا حافظت على الأقل على تمويلها الثابت من المصادر التي تعتمد عليها في منظمات غير حكومية تدعم الإعلام المستقل، كحال المؤسسات الناشئة في بعض دول المنطقة العربية لا سيما سوريا، فإنها ستخسر جماهيرتها بشكل مؤثر، وستضطر لبناء قاعدة جماهيرية جديدة، وقد لا تستطيع حتى الوصول إلى شرائح جديدة، إن لم تكن قد أسست خطة إستراتيجية للتعامل مع الأزمات تنسجم معها قواعد العمل بالنسبة للسياسة التحريرية وآليات التكيف مع الأزمات، وانقطاع خطوط التواصل مع المحيط المُستَهدَف بإطاره العام.

إن من أهم أسباب حدوث الأزمة سواء في المؤسسة الإعلامية أو غيرها من المؤسسات، يتعلق بوجود اختلالات ومشكلات متراكمة لم تلقَ اهتمامًا رغم مرور وقت طويل على بروزها. وضعف الكفاءات القيادية والإدارية والتقنية، وعجزها عن اتخاذ القرار بفعالية في الوقت المناسب. إلى جانب عدم وجود خطط واضحة أو أهداف محددة في العمل، وضعف أنظمة الرقابة والمتابعة، وغياب التقييم الدوري الفعال داخل المؤسسات.

هناك قواعد بديهية من الواجب على المؤسسات الإعلامية اتباعها في التجهز للأزمة أو التعامل معها ومع ارتداداتها، لكن هنا لا بد أن نشير في هذا السياق، وفي ظل وجود خصوصية للمؤسسات الإعلامية الناشئة في دول بلاد الشام خصوصًا، سوريا، لبنان، وحتى الأردن، فلا بد من وجود قسم خاص لمواجهة الأزمات والتخطيط يكون بمعزل عن قسم الموارد البشرية، يكون من شأنه المشاركة مع مجلس الإدارة في وضع الخطط المتجددة ضمن إستراتيجية المؤسسة، ورصد التطورات المحيطة ضمن البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تعمل وتتفاعل ضمنها المؤسسة، لتكون الأخيرة بذلك محاطة بحصن من الخطط والبدائل الإستراتيجية المتبدلة عند توقع حدوث أي أزمة، أو حتى عند وقوعها بشكل مفاجئ أو تراكمي.

لا بد لقسم التخطيط والأزمات (يُمكن أن تخصص له لجنة صغيرة للعلاقات العامة، هي الأخرى منفصلة بأوقات معينة عن لجنة العلاقات الأكبر للمؤسسة) داخل المؤسسة الإعلامية أن يكون متأهبًا للقيام بسلسلة مترابطة من الاتصالات تشمل خطوط تواصل المؤسسة بالأجهزة والنقابات والفعاليات ذات الصلة داخل المجتمع الموجهة له رسائل المؤسسة. بالتوازي مع وضع سياسات عامة لكافة القضايا المتعلقة بإدارة الأزمات، ووضع التشريعات المتعلقة بالقضايا ذات الصلة.

فضلًا عن الحفاظ على مسار التواصل والتفاعل مع الجمهور، وضبط تفاعل هذه العناصر مع المضمون الذي تسعى المؤسسة لإبرازه في تخطي أي حادثة أو أزمة. إلى جانب الاهتمام بنشر البيانات والمعلومات من خلال شبكة الاتصالات الخاصة بالأزمة. كذا فإن توجيه رسائل إعلامية ذات صلة بالأزمات لكل فئة من فئات الجمهور، هو أمر ضروري لكسب تعاونهم وتفهمهم وتأييدهم.

وينعكس بذلك المفهوم الوقائي والعلاجي لإدارة الأزمة، وهو ما يعد أبرز جوانب إستراتيجية العمل داخل المؤسسة الإعلامية لمواجهة الأزمات؛ بخاصة وأن وقع الأزمة على المؤسسات الإعلامية هو أشد تأثيرًا وأكثر تكلفة؛ كون مجال عمل هذه المؤسسات مرتبطًا مباشرة بالجمهور.

إن التواصل مع جمهور المؤسسة الإعلامية، والاعتذار لهم بشكل واضح ومباشر، هو أمر بغاية الأهمية في تخطي المؤسسة لأزمتها، فالزمن وحده ليس الكفيل بحل كافة الأزمات.

تعد المرونة في التشكيل التنظيمي للمؤسسة الإعلامية، ومراعاة الاحترافية في الكوادر وتغليب الجانب الأكاديمي المتخصص فيها، من أبرز محددات التعامل مع الأزمة. وبخلاف ذلك فإن الأزمة ستؤدي بشكل مباشر إلى حدوث إرباك وتصرفات طائشة داخل المؤسسة، وسيادة جوٍّ من الإحباط واليأس، ما يساهم بتحفيز المنافسين على التقدم، وكذلك قد يزيد من حدة الصراع والانشقاق داخل المؤسسة.

إن مواجهة الأزمات تستوجب درجة عالية من التحكم في الطاقات والإمكانات وحسن توظيفها، في إطار مناخ منظم ودائرة واسعة من الاتصالات الفعالة.

كذلك فإن وجود خطة جاهزة للتطبيق في إدارة الأزمات هو أمر يساعد المؤسسة الإعلامية على تجاوز احتمالات تشوه صورتها وزعزعة الثقة بها أمام كل شرائح الجمهور، لذا فإن الخطة لا بد أن تعتمد على دعم شرائح معينة من الجمهور تكون عونًا لها كخط دفاع رئيسي، كما يجب على المؤسسة أن تضمن بموازاة ذلك متانة الجهاز الداخلي للمؤسسة، والاهتمام بالعلاقات الإنسانية وتشجيع المبادرات والإبداعات، وبث روح الحماسة بين الموظفين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد