يحدث أن تأتي الفكرة، حاملةً  لجوانب ملونة، مُشكّلة وغير مُشكّلة، تتنقل وتنتشر، حين تولد لا تموت،

وقد تموت بغيرها، تنتقل بكلمة، بمعلومة، بموقف، بتساؤل يجهل أو إجابة تُجهل.

تبذر وتُبذر، تنمو، تتغلغل، تُقلقل، تُقلق، تُغلق، تبدأ التأثير منذُ بزوغها، وذلك بمثولها لحياتها، وحياتها هو السلوك والعمل، عندها السلوك أو العمل الذي جاء نتيجة الفكرة هو إما قنبلة أو سلام، موت أو حياة.

هذا ما كان أحد سيناريوهات حياة فكرة.

فهي قد تأتي متخفية بأحد الأستار لا سيما ستار الفضيلة والدين، والخلق، والخير، وستار الجنة!

وهذه أشد الستر فتكًا وشرًا التي من الممكن أن تستتر خلفها الفكرة الخاطئة أو الظالمة.

فتأتينا لتخبرنا أن ضالتنا وجدت بها ولها فتجدنا نصدّق بها! وتأتينا أيضًا لتعلمنا أن الأصح هو ما قاله أحد ما وما قرأناهُ وما سمعناهُ من أي مصدرٍ كان, خطيبًا أو كتابًا أو شخصًا، وعندها نستسلم ونسلم.

وهنا تكمن مشكلة؛ وهي استسلامنا (لجهلنا) وبما يجب علينا، بعد ظهور أو انتقال تلك الفكرة، وذلك بالتسليم بأن الأمثل والأصوب هو ذا لا شيء غيره، فتصنع عندنا حالة من الرؤية العمياء, عندها نستطيع القول (بأن غالب إيماننا لهذا الاستسلام هو الجهل وعدم الاستعداد للبحث والمراقبة والتحليل والتعليل والبحث عن أكثر من مصدر للمعلومة أو الخبر).

ولكن كيف يكون هذا النوع من الجهل, مسارًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا لهداية ورشد الفكرة لتستقر في عقولنا وتمتثل سلوكًا وفعلًا؟

إحدى صور ذلك هو شغفنا الطبيعي بالمعلومة والمعرفة, أن نبحث لنجدها ولا نجد غير مصدر وحيد لها فنؤمن بها وننتهجها أو هي تنتهجنا، وقد تكون بصورة عزف فريد على أوتارِ العاطفة، فيرق القلب وتدمع العين ويؤثر ذلك على الإقناع، ولا تعرّض بعدها إلى فلترة عقلية منطقية، وتكون أيضًا بعدم التبين من المصدر والقائل، سواء كان مفسرًا أم خطيبًا أم معلمًا أيضًا!

والصور لتلك الهداية لعقولنا, كثيرة.

ويظل أن الجهل إجمالًا، يتجمل ويأتي بقناعاتٍ وأقنعة متعددة ومتعدية وعلينا أن نتخذه عدوًا ونحاربه بالتساؤل والبحث والحقيقة والعلم.

و التساؤلات التي قد تدور بذهن أي أحد؛ أن كيف علينا بعد ذلك الخلاص من تلك الأفكار الخاطئة التي زرعت واستقرت؟!

وكيف نحطم أصنام الأفكار والهالة القدسية للأشخاص، وننزع شباك العناكب من على النظرةِ للحال، للآخر، للعبيد والمعبود والموعود؟ كيف وأحد المفكرين قال بلسان المشخص للمشكلة: «مشكلتنا ليست في إدخال الأفكار الجديدة إلى الرؤوس وإنما المشكلة في إخراج الأفكار القديمة منها»؟

كيف علينا كسب شرف «المحاولة» للإخراج أو التجديد أو الإحلال ومعالجة هذه الفكرة الخاطئة والقديمة؟

أرى بأن علينا أن نعيد تقديم مسلمات الدين، وأن ننقد بقدر متوازن بلا إفراط أو تفريط، وأن نتجه نحو صياغة جديدة للمفاهيم وإعادة طرحها بأسلوبٍ أقرب وألطف وأجمل وأصدق مع الأخذ بالحسبان عامل «العصر»، وبتعريض المفاهيم المغلوطة والتأويلات الخاطئة للآيات والنصوص، والأثر، لحالة من النقد التصحيحي والتحليل والتوضيح بشكل أكبر، وفي بعض الحالات نحيل كثرة التفرعات للفهم أو المسألة إلى الأصول لتنقشع الغمامة والزيف، وصنع حالة من التقييم والغربلة للاعتقادات القديمة التي قدمت من أناس لم يفهموا ما رووا أو لم يعرفوا يروون ما رأوا أو تعلموا، وتقوية حالة المناعة الفكرية.

وبحالات كثيرة نحتاج إلى إعادة تلوين اللوحة البائسة حين صُبغت سوادًا في خيالنا وفكرنا، وإحياء النبتة الخضراء حينما سقيت ملحًا أجاجًا في قلوبنا.

إن الفكرة، لا تفكها وتحللها أو تحلحلها إلا فكرةً وتفكير أعظم وأعمق وأدق منها وأحيانًا أبسط منها وفي مواضع تجدد بتفكيكها وتجزئتها وكسر حصارها العاطفي والقدسي المحاط بها من جميع جوانبها وفهم الخلفية الثقافية والفكرية التي تخلّقت منها بعد رؤية الحالة الخاصة بها من جميع الأطراف. 

والسلوك باقٍ ما بقيت الفكرة والاعتقاد، فإن نحن أصررنا على تصحيح مسارها أو إخراجها وإبدالها، استطعنا بعون الله أن نوقف السلوك أو نحسنه أو نغير نهج سيره للأصح والأحسن. 

أخيرًا

إنْ شر الأفكار السيئة هي من تتمثل سلوكًا وعملًا وانتشارًا، وخير الأفكار الحسنة والخيرة والنيرة هي من تمثلت أيضًا عملًا وسلوكًا. 

وشيءٌ أخير: أي فكرة عندما نريد أن نكفر بها لابد أن نوفر حالة إيمانية وتصحيحية بغيرها، لأن خطاب العقل لا أظنه يستسلم لحالة الفراغ التي سيحدثها ذاك الأمر.

 

وسلامٌ عليكم وعلى أفكاركم من ربِ السلام.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الافكار, فكرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد