أطروحة شاملة

بين انبهار بالعدو مبالغ في غلوه، وضياع الثقة بالنفس مبالغ في رخصه، ضاعت هويتنا العربية حتى مَنْ كنا نعتبرهم أبطالًا في المقاومة والنضال، صاروا أتباعًا لسياسة هذه الدول لاحقًا.

هذه البلاد التي اختارتكم واخترتموها فيها الكفاية بمواردها وتجارتها، وفقط نحتاج إلى تنوير فكري، وتقدم اقتصادي، وتوازن اجتماعي، ورشد سياسي، وعدالة.
إن الحديث عن أزمة العرب ومستقبلهم دون الأخذ بنظر الاعتبار العامل الخارجي والداخلي رؤية ناقصة؛ لأن كلا العاملين فاعل فيها، وكلا العاملين واصل إلى العمق، كلاهما الداخل والخارج بطل القصة، ولكل قصة إنسانية بطلان على الأقل، وحدها الأسطورة فيها البطل الواحد.

موقع بلاد العرب الجغرافي، وحضارتهم العريقة فضلًا عن غناهم الاقتصادي، عوامل تجذب الطامعين إلى حد القتل والقتال عليها إذا لزم الأمر، ربما يسميها البعض نظرية المؤامرة، ولكن الحقيقة أنها صراع المصالح.

في كل مرة يحاول العرب النهوض بواقعهم تأتيهم ضربة التراجع بقوة السلاح، وعلى مر التاريخ كان هذا ما يحدث، لم يكن الأمر صدفة بالتأكيد.

فوهة اﻹعلام متوجهة صوب البلاد العربية تمامًا باعتباره مدفعية جاهزة ﻹطلاق الضربات، الحقوق والمطالب في بلادنا تحولت إلى همسات، وصفقات مشكوك في قيمتها ونتائجها، الأمر الذي جعل الإدارة العربية مقيدة داخليًّا ومتوجسة خارجيًّا؛ سلام كاذب، ورخاء واهم، بين الواقع والممكن، ووعود دائمًا نسمعها وأصبحت شيئًا من الأحلام، فظهرت لنا الازدواجية في القرار شيئًا فشيئًا، حتى تحولت إلى انفصام في العملية السياسية العربية.

في وسط هذا الزحام والتصادم بين الحقائق والأوهام، وبين الوسائل والغايات، وبين الآمال والأسلحة؛ وقع خلط شديد بين الشرعية والسلطة، وبين روح القانون وصناعة القانون، وبين الرأسمالية المنتشئة والنهب المنظم، وبين اﻹعلام واﻹعلان، وبين الدين والدجل، وبين اﻹرهاب الطائش والعنف الذي يستمد وقوده من اﻹحساس بالظلم والعجز عن رده، وكانت النهاية أن الأمة وقفت أمام خيار متعسف مفاده؛ إن الذين يعترضون على الأمر الواقع بما في ذلك السلام غير المتوازن مع إسرائيل ليس أمامهم إلا أن يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني.

يذكر التاريخ أن العرب قتلوا العرب بتوظيف من إسرائيل وأمريكا، مثل حرب الخليج التي كانت بدعوى لتحرير الكويت ولتدمير العراق، كانت المصلحة الكبرى لمن موّل الطرفين، وزودهم بالأسلحة لقتل بعضهم البعض لا رابح في النهاية بل المقصد إنهاك الطرفين، ومثل حرب العراق مع إيران لثماني سنوات، وبين الحالة الإسلامية والحالة القومية كان الهدف إضعاف الجيش العراقي الذي كان ربما يشكل خطرًا كبيرًا على إسرائيل.

ومثل حرب لبنان الباردة والقتال الأهلي، وكلها كانت لمصلحة غير العرب، وﻹنهاء قوتهم، وتفرقتهم فهموا ذلك أم لم يفهموا.
فلسطين قضية العرب الأولى والمركزية، العرب قسمان من يقول بالتطبيع، ومن يرفضه؛ وإسرائيل كانت وما تزال في دور المتعهد عن الشرق الأوسط (الهيمنة الخفية).

الأزمة متجذرة والتاريخ يعيد نفسه، في ضياع الوحدة العربية والرأي العربي الواحد، هل من منقذٍ؟ هل من حل لهذه الأزمة؟ هل يخرج للأمة رجل مصلح ينقذها؟ يبدو أن زمن هذا النوع من المعجزات قد ولى، ماذا عن محاولة إعادة ضخ فكرة القومية العربية للجسم العربي مرة أخرى؟ تبدو فكرة أقرب منها للمستحيل؛ فلا المصير ولا الأمن ولا الثقافة ولا حتى التاريخ بقي أي منهم مشتركًا بين أجزاء هذه الأمة، هذا الأمة الآن عبارة عن بعض أقاليم ودويلات وخريطة مرسومة لهم.
لم يعد كل هذا ينفع؛ الاقتصاد بيد إسرائيل، وأمريكا توظف وتتولى مسئولية توزيع أدوار الحروب، واختيار الأراضي العربية لتصفية كل الحسابات، وكل ما حدث ويحدث وسيحدث ما هو إلا (صراع مصالح).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد