الوهم هو الصورة التي ترتسم في الذهن عن الحقيقة دون التمعن فيها، وعقل الإنسان يشبه المرآة غير المستوية التي تعكس خواصها على الأشياء المختلفة بطريقة غير سوية، وغالبًا ما تكون أفكارنا صورًا عن أنفسنا أكثر من كونها صورًا للأشياء من حولنا، ولذا كان من أخطاء الإنسان الشائعة أنه إذا آمن بشيء معين عن طريق القناعة والتسليم أو بسبب لذة أو طمأنينة تعود عليه من هذا الرأي؛ فإنه يتعسف في كل شيء من أجل إثباته على الرغم من كل الأدلة التي تظهر بوضوح بطلانه، ومع ذلك فهو إما أنه لم يلحظها أو يستخف بها ويرفضها بعنف وتحيز ضار.

ومن أمثلة محاولة البعض إرغام الناس على آرائهم وإجبارهم على التفكير مثلهم، القصة التي يسوقها أحد الفلاسفة عن رجل دخل معبدًا وعرضت أمامه لوحات كثيرة، علقها الذين نجوا من الغرق في البحر بعد أن تحطمت بهم السفينة استجابة لنذورهم التي تقربوا بها إلى الآلهة، وطلب منه أن يعترف بعد هذا الذي شاهده بقوة الآلهة وفائدة النذور، فأجاب: “ولكن أين لوحات الذين غرقوا وماتوا في البحر على الرغم من نذورهم وأيمانهم وتضرعهم؟!”.

كل الأساطير تبدو متشابهة سواء كانت ناجمة عن التنجيم أو الأحلام أو الطيرة أو الثواب والعقاب وغيرها، وبعد أن ينتهي الإنسان من تقرير القضية وفقًا لإرادته، نجده يلجأ للتجربة فيخضعها ويجعلها موافقة لرأيه ويسوقها كأسير في موكب!

هناك مشكلة كبرى في الوعي الديني لدى المجتمعات المسلمة تتضح أبعادها حينما يتكرر في واقعها شخصيات ذات سمات خاصة تجعلها تكتسب بريقًا خاصًا لدى البسطاء والعامة، شخصيات وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأوصاف دقيقة لا تخطئها العين: “سيماهم التحليق، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان،… إلخ”.

وأي مسلم في الدنيا يمكنه أن يدرك صعوبة مقاومة الإغراء الذي تثيره في النفس شخصية متدينة لها مثل هذه الأوصاف، فنظرًا لغلبة العقل المعياري وضعف العقل الموضوعي الذي يتميز به الوعي الجمعي في المجتمع المسلم – نتيجة أسباب كثيرة ومركبة– فإن صاحب هذه الأوصاف لا يمكن إلا أن يكون إنسانًا صالحًا وشخصًا فاضلاً وفردًا صادقًا ومؤمنًا مخلصًا.

وكل هذا صحيح ولا غبار عليه، فكلنا قرأنا قصة عبد الرحمن بن ملجم الذي أسلم في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، ثم طلب العلم فترة من الزمن لدى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس قبل أن يلتحق بالخوارج، وعندما ارتكب الجريمة الكبرى في قتل الإمام علي بن أبي طالب قام عصبة الإمام حينما أرادوا القصاص منه بصلبه، ثم بدأوا بقطع يده اليمنى ثم اليسرى ثم بتروا قدميه قبل أن يقتلوه، وهو في جميع ذلك مطمئن ساكن يسبح ويهلل ويستغفر الله ويسأله الأجر والمثوبة! وعندما أمر الحسن الجلاد بقطع لسانه، بكى وقال: “أتقطعون عضوًا يلهج بذكر الله”!

ولم يكن شبيب الخارجي أقل صلاحًا وتقوى من ابن ملجم حين قام بذبح كل من كان في مسجد الكوفة حتى يهيئه لمقدم زوجته التي نذرت أن تصلي فيه ركعتين، تقرأ في الأولى بالبقرة وفي الثانية بآل عمران، وقد أوفت بنذرها وسط بركة من دماء المصلين!

ولفرط الشجاعة النادرة والتضحيات الجسيمة التي يبذلها المتطرفون الخوارج لم يستطع المهلب بن أبي صفرة – الذي كلفه عبد الملك بن مروان بمحاربة الخوارج– إلحاق الهزيمة بهم طوال إحدى عشرة سنة، إلا بعد أن دب الخلاف بين قادتهم وتنازعوا أمرهم حتى اقتتلوا فيما بينهم، فعندها فقط استطاع المهلب أن يكسر شوكتهم ويدرأ عن الدولة الأموية خطرهم.

ظاهرة الخوارج ليست حالة سياسية عابرة ترويها كتب التاريخ، بل هي وضعية نفسية وذهنية تنضح بمعانٍ دينية كثيفة، تنبعث في ظروف وأحوال خاصة حيث تنتاب بعض الصادقين في تدينهم فتنحرف بهم إلى دروب وعرة شائكة مليئة بالآلام والأحزان، وصفهم التابعي الكبير الحسن البصري بكلام بليغ نصه:

“العامل بلا علم كالسائر على غير طريق، والعامل بلا علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم واطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، فإن أقوامًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد عليه الصلاة والسلام”!

من المؤكد أن الوعي الإسلامي لن يتصالح مع منطق العصر الحديث حتى يقوم بتسليط ضوء النقد على تراثه المقدس ليتحرر من أغلاله، فـ”الجديد لا يكون إلا بقتل القديم بحثًا” كما يقول الشيخ العلامة أمين الخولي، وهذا يقتضي إعمال العقل وإعادة التفكير في مختلف جوانب ثقافتنا التي أكل عليها الدهر وشرب، ومن هنا تأتي أهمية وجود الفيلسوف الذي يسميه نيتشه “طبيب الحضارات”، يعالج أمراضها بنقده ويقوم اعوجاجها بتوجيهه ويقدم النصح للعقلاء من أبنائها ولكنهم – للأسف– قليلون في عالمنا الإسلامي.

 

إيماننا بالقضايا والآراء على أنها مسلمات لا نزاع فيها مع أنها عرضة للتساؤل والخطأ يمنعنا من التوصل إلى حقائق جديدة، ولا نتجرأ أبدًا على وضع هذه المسلمات في غربال الفحص والملاحظة والنقد، ومشاكلنا ومصاعبنا ناجمة عن الاستنتاجات المسبقة التي تحول بيننا وبين الوصول إلى الحقائق، ومن الأفضل لنا أن نضع موضع الشك والتساؤل كل ما يحتجزه عقلنا كقناعات بلا سبب واضح حتى نحتفظ بصفاء العقل وهدوئه، وألا نسمح لوعينا بأن يقفز ويطير وأن نقيده بالأثقال حتى نحول بينه وبين الانتقال من الفرضيات الأولية إلى البديهيات الشاملة.

 

إحراق كتب ابن سينا وابن باجه وابن رشد ومحاربة الاعتزال وملاحقة الفلاسفة وقتلهم وإهانتهم كان أكبر “انتحار ثقافي” أخرج المسلمين من صناعة التاريخ، فالنهضة الإسلامية في عصرها الذهبي لم تزدهر إلا في سياق انفتاح المسلمين على الثقافات الأجنبية عنها، فقد ازدهرت علوم اللغة والأدب نتيجة للانفتاح على الثقافة الفارسية والهندية، وازدهرت علوم الفلسفة والمنطق والهندسة نتيجة تأثيرات الثقافة اليونانية، لذا فالانحطاط الحاصل حاليًا – الذي أنتج بيئة مثالية للتطرف– هو نتيجة حتمية لثقافة الانغلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد