هل أنت أحد سكان الشرق الأوسط؟!

تذهب إلى عملك صباح كل يوم وكأنك مرغم على ذلك، وبعد يوم عمل مرهق نفسيًا على أقل تقدير ترجع للبيت، تحاول أن تشتت تفكيرك عن مشاكل العمل، وتعب المواصلات، واحتياجاتك المادية باهظة الثمن في ظل أوضاع اقتصادية غير مستقرة، تتقلب بين القنوات التليفزيونية لا ترى إلا الحرب والدمار والقتل والتشرد في بلاد الجوار؛ فتحاول أن تهرب بالتسلي ببرامج أو مسلسلات سخيفة تتخللها الكثير من الإعلانات تقنعك بشراء ما لا تحتاجه، ثم تنام لتستيقظ في الصباح وفي خلفية وعيك كابوس مزعج لا تستطيع تذكر تفاصيله، إلا أنك حين تنظر في المرآة لا يكف الصوت داخل رأسك عن الطنين «هناك شيء خطأ، ما كل هذا العبث؟!»

حسنًا، يجب أن نقول إن الأزمة لم تبدأ هنا في الشرق الأوسط، بدأ الأمر مع المشروع العقلاني والعلماني الذي ظهر وتطور في أوروبا مع ما يُعرف بعصر النهضة الأوروبية ونتاجًا لها، كان يهدف لتحرير الإنسان الأوروبي من فساد سلطان الكنيسة والعمل باسم الرب لتحقيق مطامع وأهداف دنيوية لمن بأيديهم مقاليد السلطة والحكم.

فكان الخلاص في فصل الدين عن الدولة، وبذلك تنتهي سلطة الدين على باب الكنيسة. ما وراء الكنيسة هو عالم آخر أصبح الإنسان فيه هو السيد يسن القوانين ويضع التشريعات. لكن – وكأثر جانبي- فقد الإنسان إيمانه بعد أن فصله عن عالمه، واستُبدل المُخلِّص الإله بالعلم، تحرر الإنسان من السحر ومن الأسطورة، وترك وراءه كل ما كان يدعوه بالمُقدس قديمًا.

وللعديد من الأسباب والأحداث التاريخية هيمنت الدول الأوروبية على معظم مناطق العالم القديم في أفريقيا وآسيا، وبذلك أصبح النموذج الأمثل في الحضارة الحالية -الحضارة الغربية- التي نعيش فيها هو أن تتشكل الدول على أساس القطيعة مع الدين وتحجيمه ليصبح شأنًا شخصيًا، والتأكيد على أن يتخذ المجال العام -خاصةً السياسي- موقفًا محايدًا منه؛ بحيث تتشكل دولة الحق والقانون من مجموعة من الإجراءات التي يجب احترامها، والتي تشكل على المستوى الأخلاقي والسياسي القيمة الأسمى للعيش – في دولة- ويصبح الإنسان نفسه هو مصدر المعنى، الإنسان الذي يرفض المساومة على حريته، ويرفض حجج السلطة والنفوذ عليه كمبدأ متعال، وليس فقط الإنسان المنخرط كليًا في عالم التقنية المادي والمركزي البشري.

ذلك النموذج الأمثل الذي كافح – وما يزال- الأوروبيون لتحقيقه، وُلد مشوهًا في معظم البلاد التي تم احتلالها وتم تصدير الحداثة لها في كبسولة.

هل الحداثة شر؟!

ربما لولا الحداثة ما كنت أستطيع أن أكتب هذا المقال، وما كنت لتقرأه! فبالطبع وفرت الحداثة العديد من المفاهيم والأدوات التي حررت الكثير من قدرات الإنسان، لكنها أيضًا غيرت من نظرته لنفسه ولعالمه ولعلاقته بعالمه.

يقول د. محمد المزوز – باحث وأكاديمي مغربي-:

«المعرفة العلمية لم تعد نظرية، ولم يعد هدفها هو تفسير الوجود الطبيعي أو البشري، بل هدفها هو السيطرة على الأشياء. بينما كان هدف التفكير الأسطوري هو الكشف عن تناغم الأشياء، ومحاولة إيجاد نقطة تواصل بين مصير الإنسان ومصير الكون».

وبالتالي وكما يقول لوك فيري في كتابه «معنى الحياة» :«أصبح السؤال عن معنى الوجود وكأنه مخصص لمرحلة عمرية معينة، تحديدًا المراهقة وانفعالاتها الأولى، أما بالنسبة للكبار سنًا فإن السؤال لا يعاد طرحه إلى في ظروف استثنائية كالحداد أو المرض العضال».

أدت تلك الأزمة إلى رغبة دائمة لتشتيت الفكر لتغييب مثل تلك الأسئلة كما أشار وودي آلان في هذا الفيديو هنا.
حيث يقول: «كل ما يمكن أن تفعله كفنان هو إيجاد شيء ما لتشرح لماذا تستحق الحياة أن تُعاش، وما إيجابياتها. طبعًا، لا يمكنك أن تفعل ذلك من دون خداع الناس؛ لأن الحياة في الحقيقة بلا معنى. فنحن نعيش حياة بلا معنى في كون عشوائي. كلّ شيء أنجزته سيزول يومًا، الأرض ستنقرض والشمس ستنفجر، والكون سيختفي، ومعه ستموت أعمال شكسبير وميكل أنجلو وبيتهوفن. من الصعب جدًا إقناع الناس أنّ ثمة جدوى من كلّ ما يعيشونه. استنتاجي أن الشيء الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه هو الترفيه وتشتيت العقل».

ربما سبب ذلك أزمة وجودية في العالم الغربي أدت لظهور العديد من المذاهب والاتجاهات الفلسفية العدمية تنظِّر لـ«شح المعنى»، إلا إن الأزمة هنا في الشرق الأوسط كانت مركبة. ففي ظل نشأة أجيال على ثقافة عالمية تهتم بالمظاهر وتسعى للكمال الشكلي، مع وجود تاريخ طويل من الصراع مع الاستعمار الغربي المغتصب لأراضيهم، يزداد التمسك بظواهر الأفكار القديمة وتحولها لهياكل مفرغة من المعنى.

يقول ياسين الحاج صالح:

«على أنه إذا كانت العدمية الغربية، العدمية الوجودية بخاصة، مقترنة بشح المعنى وانعدام الغاية من الوجود، فإنه يمكن تمييز ضرب من عدمية إسلامية خاصة، مقترنة بالأحرى بفيض المعنى. وفي حين أن جذر العدمية الغربية هو موت الله، وإن أكثر فروعها تعي ذاتها عودًا إلى نبي الإله الميت، نيتشه، فإن أصل عدمية فيض المعنى الإسلامية المعاصرة هو فرط وجود الله وقدرته وحضوره الكلي. الله هو الموجود الوحيد الحق، لا حَكَم إلا هو، وفقًا لما كان رأى الخوارج، مجسدو أحد النماذج الباكرة للعدمية الإسلامية. وأمام إطلاق الله، سيتضاءل الإنسان إلى ما لا نهاية، ما يضفي قيمة نسبية جدًا على حياته، ويجعلها قابلة للحذف والإلغاء والإعدام. الله حي. الموت ميت. ومعه الحياة».

كيف حاول الأوروبيون ملء الفراغ الذي سببه تنحية الدين؟!

وكيف أدى كل هذا لانفجار كل هذا العنف في الشرق الأوسط؟!

سأحاول الحديث عن تلك القضايا في مقالات لاحقة إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد