في المقال السابق (أزمة المعنى (1) كيف تشكلت الأزمة الحالية في الشرق الأوسط؟) تعرضت لفكرة الشعور العبثي وممارسات تشتيت العقل هربًا من سؤال المعنى، النمط الذي أصبح يتصدر المشهد في حياتنا اليومية. وأشرت للعلمنة التي أزاحت الدين، أهم مصادر المعنى لآلاف السنين، ولم تستطع ملء الفراغ الذي خلفه، وكيف تشكلت جذورها في الغرب الأوروبي إبان عصر النهضة، وكيف هبطت على منطقتنا الحداثة مع الاستعمار؛ مما أدي مع الوقت لظهور أزمة معنى مركبة في عالمنا العربي متمثلة في عدمية (شح المعنى) الملازمة للحداثة، وعدمية (فيض المعنى) الناتجة عن قرون من التخلف الحضاري بعد هزائم عسكرية وتيه سياسي أدى إلى واقع بائس وأحوال صعبة زادت من حالة الاستسلام وقلة الحيلة، وإحالة عملية تغيير هذا الواقع البائس على الإله مما أدى لتخلف حضاري على مدار مئات السنين تتجلى آثاره جيلًا بعد جيل في ضعف المجتمع، ومظاهر تأثيره على الأنظمة التي تحكمه، وبالتالي ضعف حكومات هذه الأنظمة في محيطها الإقليمي الذي أثر على سيادتها وقدرتها على تقرير مصيرها؛ مما أدى إلى تخلفها في إدارة شئون بلادها وشئون شعوبها، واللجوء لأسهل الحلول الإدارية، وهي الإدارة عن طريق استبداد غايته البقاء في الحكم؛ لإبقاء الوضع كما هو عليه لأطول فترة ممكنة. وفي هذا المقال نحاول سبر أغوار أبعاد هذه الأزمة أكثر.

ماذا تريد؟!

موبايل جديد ذو كاميرا أمامية أفضل كي تستطيع أن تصور نفسك، سيارة جيدة بسعر مناسب، عضلات مفتولة، جسد رشيق، بيت في منطقة غير عشوائية يُفضل أن يكون تجمعًا سكنيًا محاطًا بسور، أطفال أصحاء يتكلمون 3 لغات، وبالتأكيد دخل مناسب لدفع فواتير كل هذه الصور. أحلام وأهداف المواطن الصالح في الحضارة الحالية التي ننشأ ونتعلم ونتسلى ونحب وننجب ونعمل ونموت في رحابها مكلفة حقًا، أليس كذلك! ربما ستعمل معظم ساعات اليوم، معظم أيام الأسبوع، في وظائف لا تستمتع بمعظمها وقد تسافر وتترك أسرتك؛ لدفع فاتورة كهذه!

ما المقصود بالمعنى؟

قد يكون كل ما سبق احتياجات مادية مشروعة ومتفهمة ومشتركة لكثير من البشر، ليس فقط في عالمنا العربي الشرق أوسطي، ولكن لكل أبناء الحضارة العالمية الحالية. لكن احتياجات كهذه حتى لو تم تلبيتها، فلن تكون كافية يومًا؛ فالإنسان طبقًا للعديد من الدراسات النفسية* لا يشعر بالسعادة في حياته ما لم يجد لحياته معنى، ولأفعاله غاية.
فطوال تاريخه، آمن الإنسان بديانات استطاعت أن تواسيه وتسد احتياج الإنسان الغريزي للمعنى. يجد من خلالها إجابات عن أسئلته الكبرى (من أين جئنا؟ لماذا نحن هنا؟ إلى أين سنذهب بعد الموت؟ كيف نعيش حياة صالحة؟ كيف نصل للحكمة والخلاص من مخاوفنا وهواجسنا؟) بعض هذه الديانات سماوية حيث يتواصل كيان إلهي/متعالٍ مع الإنسان، وبعضها أرضي متولدة من تفكير الإنسان وتجربته الروحية والفكرية الذاتية للوصول إلى ما هو إلهي/متعال.

ماذا يريد الإنسان على الجانب الأخر من المادة؟!

يريد أن يشعر بأنه مفهوم ومحبوب، وأنه لن يعيش وحيدًا. ومع يقينه من أنه فانٍ، إلا أنه يريد أن يتغلب على خوفه من الموت، يريد أن يتأكد من أنه سيكون خالدًا بشكل ما، هنا في الدنيا بالإنجاب والسيرة الطيبة أو الشهرة والأعمال البطولية أحيانًا، وبعد موته أيضاً في عالم أخروي لا موت فيه! يريد أن يشعر بتلك الطمأنينة، يريد أن يعتقد في قيم ومعاني متجاوزة لحياته نفسه، حتى أنه قد يضحي من أجلها وفي سبيلها، ذلك هو الخلاص الوحيد، الخلاص الذي سينجيه من قلق الحياة وتسرب الزمان من بين أصابعه، من هواجسه بشأن فنائه وفناء كل ما يعرف ويحب!

ما هي الأزمة إذًا؟

الأزمة هي وجود الإنسان في حضارة معاصرة تفرض عليه نمط حياة معين لا يلبي احتياجاته المادية والروحية بشكل يلائم ما يؤمن به أو يعتقده كمرجعية فكرية أو إيمانية.

فنحن جزء من حضارة غربية أركانها الأساسية: التطور التقني والنزعة الفردية، وخطاب رأسمالي يروج لكم أننا – نحن – سعداء بحصولنا على مجالنا الصغير من الحرية التي بلا حدود والسلع الوفيرة. حضارة تدفع الإنسان للعمل والتصرف في عالم خاص دون إزعاج غير مبالي بالبقية، ولتمييع الشعور بالانتماء، والتحرر من القيم التجاوزية الدينية وحتى العلمانية، تدفعك للانسحاب وتشتيت الفكر في محاولة دائمة لنسيان الضجر والتعب والموت من خلال الاحتفاء الإحساس بالمتعة واللذة والبعد عن الألم وتضخيم الذات وتحقيق الأهداف الخاصة وممارسة الطقوس الخاصة. وبالتالي رفض أي سلطة مفروضة، سواء كانت سلطة دينية، أو سلطة أبوية، باسم الإله أو باسم الوطن؛ مما عزز أهمية اللعبة السياسية الديموقراطية حتى لو كانت شكلية، حيث يجب أن تشعر الناس أنها تحكم بالفعل، لا أن يتم فرض السلطة عليها.

وبذلك تمتلك الحضارة الغربية شرعية كبيرة وقوة جاذبية لا تقاوم؛ لأنها تكرس وجودًا عاديًا، وحقوق الناس العاديين، وهي تنتشر بسهولة لأنها تستند لأساس بشري عالمي غير محدود بمنطقة معينة. إن مجال القيم هذا معروف لكل الثقافات، لكن الغرب المعاصر فحسب حوّله إلى خير أسمى، وهذا سبب آخر لتحقيقه للهيمنة.
الأن في العالم أكثر من 50% من تعداده يدينون بأديان سماوية، هم المعرضون في رأيي أكثر من غيرهم للشعور بتلك الأزمة حيث أن عقائدهم تخبرهم بأن هذه الحياة هي مرحلة مؤقتة وأن هناك حياة أخرة بعد الموت في حين أن نمط حياتهم يجب أن يكون منغمسًا في تلك الحياة وكأنها نهاية كل شيء. وكأن الحقيقة حصرية، هنا والأن فقط، فلتعش اللحظة وكفى.

في النهاية يجب الإشارة أني لا أنكر منجزات الحضارة الغربية، وليس الهدف من المقال مدح الأديان السماوية في مقابل فلسفات أرضية تسعى للخلاص لها تراكيب دينية هي الأخرى – أو العكس بالتأكيد – ما أريده هو عرض الأزمة  الحالية بشكل مختصر قدر الإمكان، لعل ذلك يساهم في فهم أفضل لعالمنا كما هو، وليس كما نعتقد أو نتمنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Ariely, Kamenica and Prelec (2008) on how repeating a task is enervating. Ariely, D., Kamenica, E., & Prelec, D. (2008). Man's search for meaning: The case of Legos. Journal of Economic Behavior & Organization, 67(3), 671-677.
Csikszentmihalyi, M. (1990). Flow: The psychology of optimal experience. Harper & Row.
Csikszentmihalyi, M. (1997). Finding flow: The psychology of engagement with everyday life. Basic Books
Csikszentmihalyi, M. (2004). Good business: Leadership, flow, and the making of meaning. Penguin
Frankl, V. (1959), Man’s search for meaning. Beacon Press.
عرض التعليقات
تحميل المزيد