عن عمد يحدث الآن قطع للتواصل ما بين المصريين وبين تاريخهم القديم والحديث؛ وهذا القطع الهدف منه التلاعب بالوعي لصالح تزييف الواقع، لكي يستمر النظام الحاكم في السلطة على النهج الديكتاتوري الحاصل الآن، وهذا أسلوب مارسه الحُكام الديكتاتوريون الذين توالوا على مصر بعد انقلاب الجيش واستيلائه على الحكم في 23 يوليو «تموز» 1952 وقد عمد العهد الجديد للضباط إلي إنشاء وزارة جديدة «للإرشاد القومي» عرفتها مصر لأول مرة؛ تتولي بصفة رسمية التلاعب في وعي المصريين والتلاعب في تاريخهم لصالح استمرار حكم الضباط؛ وكانت هذه الوزارة تَخلط ما بين الدعاية وتزييف التاريخ وتعمل على فصل المصريين عن تاريخهم الحقيقي وقد استمر هذا طابعًا لهذه الوزارة التي أسسها المدني «فتحي رضوان» وقد تولاها بعد ذلك الضابط «صلاح سالم» عضو مجلس قيادة الانقلاب بإشراف وتوجيه مباشر من رجل الانقلاب القوي «جمال عبد الناصر» وقد استمر هذا المنهج المتلاعب والدعائي طوال عمل هذه الوزارة منذ تأسيسها وحتي تم تغيير شكل عملها مؤخرًا؛ دون أن تتغير طبيعة المهام والوظائف التي كانت تقوم بها كآلة دعاية لصالح النظام الحاكم؛ بحيث تبقى دائما غشاوة على أعين المصريين تمنعهم من كشف التزييف العمدي في رواية وقائع تاريخهم وما يترتب على ذلك من استغلال هذا التزييف لصالح الحُكم القائم.

كان قد تأسس في مصر وضع سياسي خاص بعد أن حصل المصريون على دستور أبريل «نيسان» عام 1923 كأحد المكاسب عن تضحيات سنوات البناء السياسي الثلاثين والتي بدأت مع تولي الخديوي «عباس حلمي» الحكم خلفًا لأبيه الخديوي «محمد توفيق» في عام 1892، ولكن المصريون لم يحافظوا على مكتسبات ثورة عام 1919 بالانقسام الذي حدث بعدها بين من كانوا يسمون زعماء الثورة وقادة الأمة وأصبح «حزب الوفد» الذي قاد جزءًا من وقائع الثورة وأحداثها؛ هو المفرط في حقوق المصريين تجاه السلطة البريطانية في مصر؛ بدلًا من أن يكون هو «حزب الجبهة» التي تصارع البريطانيين على مزيد من الحقوق السياسية.

كانت الخسارة في حاصل مكتسبات ثورة المصريين عاجلة؛ رغم أن الثورة كانت ما تزال حاضرة وساخنة في قلوب الشعب، وقد بدأ نزيف الخسائر في أعقاب الثورة بعد أن بدأ موسم جني ثمارها من السياسيين والأثرياء معًا؛ كلًا لصالحه وهو الظرف الذي أنتج خديعة البريطانيين للشعب المصري يإصدارهم وعد الاستقلال «التابع» في 28 فبراير 1922 والذي مثل جانبًا مما خسره المصريون بالانقسام في إدارة الحياة السياسية في الوقت الذي كان عليهم أن يحصلوا على نتائج أفضل من خلال تضحيات ثورتهم، وقد كشف الصراع بين زعماء الأحزاب المصرية وقادة الثورة وأصحاب المصالح والنفوذ والقصر الملكي وممثلوا «الغرب المسيحي» عن أزمة معقدة في مصر؛ استمرت منذ ذلك الحين؛ فعلى مدى ما يقرب من مائة عام ظلت مصر تبحث عن «نظام سياسي» كاف لضبط مصالح كل القوى المتصارعة على الحكم هذي ولكن دون جدوى، وقد فشل الجميع إلى الآن في تحقيق هذا النظام، وضاعت الفرصة تلو الفرصة لأسباب داخلية وأخرى خارجية؛ فمن الأسباب الخارجية التي أثرت بالسلب على الحياة السياسية في مصر أن «الغرب المسيحي» مثلا لم يكن هادفًا إلي مساعدة الشعب المصري على أن يكون «نظام الحكم» في الدولة المصرية عادلًا أو ديمقراطيًا، بل ساعد «طغاة الحكام» على أن يتمادوا في الاستبداد مادام ذلك لصالح الغرب ومشروعاته، كما أن أزمة الحكم في مصر استمر تصاعد تأزمها حتى انتهاء العصر الملكي وتجربته الليبرالية؛ ثم تصاعد التأزم في طفرة كبيرة بعد حكم الضباط في مصر في يوليو«تموز» 1952 واستمرار سلسلة انقلابات الحكم العسكري؛ حتي محطتها الأخيرة في 3 يوليو «تموز» 2013.

وسوف يستمر التأزم السياسي في إدارة منظومة الحكم في مصر؛ وسوف تستمر «طفرات» التعقد في «أزمة الحكم»، لأن من أمسكوا بالسلطة غصباَ أو طوعًا كلًا انشغل بمصالحه عن الهدف الذي يحقق «عدالة النظام الحاكم» الذي يحمي كل المصالح للقوى المختلفة في السلطة وخارجها، ولهذا لم يأت على مصر النظام الذي يعتلي السلطة وفي نفس الوقت لا يتجاهل الشعب أو يتلاعب به أو يخدعه أو يستخدمه كوقود للاستمرار في الحكم، ثم بعد ذلك يُهمش الشعب في إدارة السلطة ويُهمش الشعب في ميزان العدالة الاجتماعية.

لقد تضاعف السوء في« أزمة الحكم» لأن الأزمة تعقدت بفعل «أزمات» أخرى منها أزمة الحاكم نفسه؛ إلى جانب «أزمة النظام» الذي كان من المفترض أن يمثل الشعب أساسًا في إدارة الدولة، ثم تعقدت الأوضاع؛ بأكثر من «أزمة النظام وأزمة حاكم النظام» إلى أزمة أخطر، وهي فشل الحاكم في إدارة السلطة وتبديد أساس وجود الدولة؛ بل أن نظام الحُكم خلق إشكالية مهددة لكيان الدولة المصرية نفسها بعد الانقلاب «الثالث» في سلسلة الانقلابات المصرية الرئيسية؛ فقد حدث بعد انقلاب 3 يوليو «تموز» 2013 أن تمترس الانقلاب حاميًا نفسه خلف الشعب وأخذ الأغلبية من الشعب دروعًا بشرية؛ بل إنه أخذ المصريين في الواقع «رهينة» بادعاء أنه أخذ تفويضًا من الشعب؛على أساس أنه سوف «يحمي الشعب من أعداء الشعب» رغم أن هذا الشعار الأجوف وآليات تنفيذه كان حيلة «ابتدعها» الرئيس جمال عبد الناصر؛ وقد اتبعها من بعده «الرئيس» عبد الفتاح السيسي . والحاصل أن الواقعية الشخصية والسياسية؛ غائبة فيمن يتولون السلطة الآن في مصر؛ فلا أحد لديه القناعة بشفافية «إدارة الحكم» أو أن «الديمقراطية» واجبة وأن الالتزام بالدساتير التي أقرها الشعب «سيف» على رقبة الحاكم، لا يجوز التنصل من حده القاطع؛ إذا ما تم الإخلال بأي من تعهدات الحاكم للشعب ودستوره.

والحاصل في مصر الآن أيضًا أن دروس التاريخ الثمينة مهملة؛ بل التاريخ الآن يداس عليه بالبيادة وتمزق وثائقه، والإعلام السلطوي يستخدم أحط حيل التلاعب بوعي المصريين ويتمادى في إغراقهم في ضباب لا يمكن الرؤية الصحيحة من خلاله، ولم يبق من «حيل السلطة» الآن للاستمرار في الحكم غير الجري وراء سراب أمريكي أطلقه الرئيس «دونالد ترامب»، وهي طروحات سابقة من عهد الرئيس الأمريكي «هاري ترومان» وقد قبلها بعض العرب ورفضها آخرون فبقيت مؤجلة حتي جاء الأمريكي ترامب والمصري السيسي والسعودي سلمان والإماراتي محمد بن زايد والأردني عبدالله بن حسين والإسرائيلي بنيامين نتانياهو والفلسطيني محمود عباس والفلسطيني الآخر محمد دحلان، وهي مشروعات كما فشلت أول مرة فسوف تفشل هذه المرة أيضًا ولكن بعد أن تفجر المنطقة بأكثر من تفجرها الحالي ولن يفيد منها السيسي الذي يتطوع في معارك الحلف «الأمريكي السعودي» بما لا يليق بحجم مصر ولا بطبيعة شعبها.

وأيضًا لم يبق من حيل السلطة المتوارثة عن الانقلاب العسكري الأول في يوليو «تموز» 1952 ليجربه «نظام السيسي» غير مخاصمة التاريخ ومخاصمة الواقع والحقائق وخلخلة مؤسسات الدولة؛ لصالح حكم الفرد المعتلي «جيش السلطة» منذ التخطيط في 2011 لإجهاض محاولة «الثورة الشعبية» وألا تصبح واقعًا في مصر؛ فقد تم إجهاض مشروع «الثورة الشعبية» بمخطط للثورة المضادة؛ وكان «اللواء السيسي» من مجموعته المنفذة؛ وقد تمادى المخطط حتى أصبح السيسي رئيسًا للدولة وهو في نفس الوقت يمثل «الثورة المضادة بوجهها الناعم المخادع والمحطم» لكل أحلام المصريين؛ وأغلب الظن أن هذه الازدواجية وهذا الخداع لن يستمر حتى مئوية ثورة المصريين التي حدثت في عام 1919 عندما يحين موعد هذه المئوية في عام 2019.

فدرس التاريخ من ثورة المصريين الأولى في 1919 وما تلاها من صراعات وانقسامات بين زعماء الثورة وما تلاها من أنظمة الحكم خلال العهود المختلفة أنه لا يوجد فرد مهما كانت قدراته؛ بإمكانه حكم مصر منفردًا ومستندًا إلي التلاعب بوعي الشعب وتزييف التاريخ ومستندًا إلي الحماية والتمويل الأجنبي والانخراط في المخططات الغربية الأوروبية والأمريكية؛ فقد وعى الكثيرون من المصريين بعضًا من تاريخهم المجهل بفعل «آلة إرشاد ودعاية السلطة» ومثلًا قد بات واضحًا أن العسكر الذين حكموا مصر لم ينجحوا أبدًا في أن يكونوا بديلًا عن الشعب المصري في إحداث «الثورة الشعبية الحقيقية» التي يحتاجها المجتمع المصري والدولة المصرية وأن «عبدالفتاح السيسي» أتى إلى الحكم عبر انقلاب واضح في هدفه بأن يسود السلطة في الدولة؛ ولكنه تخفى في «ثوب ادعاء الضرورة» باﻹنقاذ ومنع توغل «جماعة اﻹخوان المسلمين» في مفاصل الدولة بأكثر مما توغلت.

وقد بات واضحًا الآن أن الانقلاب أتى في أول عهده برئيس يمكن وصفه بأنه «شبيه الرؤساء» دون أن يكون رئيسًا؛ ليصنع من خلاله «مجموعة الانقلاب» ما يريدون دون ظهور.

هكذا كان «السيسي» حاكمًا خفيًا مستبدًا، على النموذج الذي كان عليه «جمال عبد الناصر» ظلًا للواء محمد نجيب؛ ودون أن يتحمل أدنى مسئولية عن أعمال السلطة التي يديرها من الخفاء؛ ثم أتى الوقت الذي كان على قائد الانقلاب «الفريق السيسي» أن يترك البدلة العسكرية التي حُمّلت بالحد اﻷقصى من الرتب العسكرية، ويلبس «البدلة المدنية» التي تُخفي بداخلها الغلظة العسكرية وتَسلط المؤسسة العسكرية وأذرعتها المخابراتية.

وحصل «السيسي» على المنصب المدني ولكن بسلطات عسكرية، وخلال فترة هذا الحكم المستبد قدم السيسي ما لم يقدمه غيره أبدًا من تنازلات في قضايا تمس وجود الدولة المصرية، وهي التنازلات التي لم يسبقه في تقديمها أي حاكم لمصر في تاريخها المعروف وكأن السيسي هو الحاكم بأمر الرئيس الأمريكي «ترامب» ، وأغلب الظن أن السيسي سوف يستمر في السلطة حتى يتركها مجبرًا، وبدون سلاسة التنازل عن الحكم طواعية أو بوسائل التغيير الديمقراطي رغم وجود المظلة والحماية الأمريكية عليه وعلي مجموعة «الحلف الأمريكي السعودي».

وفي هذه اللحظة الُمرة؛ نأمل ألا يكون الدم كثيرًا ويقتصر فقط على من أخطؤوا اﻷخطاء العظمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد