تعيش الجزائر منذ قرابة الثلاث أسابيع حالة من الغليان والتخبط السياسي أدت إلى تجميد عمل البرلمان الذي يعد المؤسسة التشريعية الأهم في البلاد، فبين إصرار أحزاب الموالاة الضعط على رئيس المجلس الشعبي الوطني ودفعه للاستقالة وتعنت هذا الأخير ورفضه سحب الثقة بحكم قدرته على توظيف الآليات القانونية اللازمة التي تمنع تنحيته، جعلت قبة زيغود يوسف تشهد تراشقات داخلية بين النواب نفسهم وتأويلات إعلامية حول القضية، كل هذا يجعلنا نتساءل: ما هي خلفيات أزمة البرلمان الجزائري؟ وكيف يمكن الخروج من هذا الاحتقان بآليات قانونية؟

جذور الأزمة

ظهرت بوادر فقدان الثقة بين رئيس المجلس الشعبي الوطني السعيد بوحجة ونواب البرلمان بعد العريضة التي وقعها أكثر من 300 نائب برلماني من أصل 462 جلهم من أحزاب الموالاة (الآفلان والأرندي) بعد اتهامهم له بخرق العديد من الخطوط الحمراء للمجلس حيث يشكون نواب البرلمان باللامبالاة التي يتعامل بها الرجل الثالث في الدولة وطريقة تسييره الارتجالية دون الرجوع إليهم، ولعل النقطة التي أفاضت الكأس وجعلت شعبية السعيد بوحجة تتراجع هو عزل الأمين العام للبرلمان الجزائري بشير سليماني بسبب اعتراضه على قرارات بوحجة الانفرادية.

بين المطالبة بالتدخل الرئاسي أو حل المشكلة بوساطة

يعيش البرلمان الجزائري منذ أسابيع قضية آليات وطرق سحب الثقة من رئيس المجلس الشعبي الوطني، فقوانين الجمهورية واضحة وحتى المادة القانونية لتنحيته تقف كحاجز أمام النواب، فالقانون الداخلي للمجلس ينص صراحة على أنه لا يمكن استبدال الرجل الثالث في الدولة إلا في حالة الوفاة أو الاستقالة أو العجز أو الشغور ويستحيل سحب الثقة من النواب نفسهم، والآلية الوحيدة هي تدخل رئاسي لحل البرلمان الجزائري، وهو ما يعود بالسلب داخليًا وخارجيًا ولعله الشيء الذي ترفض السلطة المغامرة به لحد الساعة رغم ارتفاع الأصوات الداعية لهذا الحل.

وأمام تعنت الرجل الأول في الغرفة الثانية ورفضه حل الوساطة من أطراف معروفة وإصراره البقاء في منصبه مستندًا في قراره على فراغ قانوني قوي وانتظاره أمرًا رئاسيًا فقط لتقديم الاستقالة، وأمام هذا الواقع اتخذت قيادات حزب جبهة التحرير الوطني إجراءات للضغط أكثر على السعيد بوحجة لدفعه للمغادرة حيث تم إحالته على لجنة الانضباط والتهديد بسحب عضويته من الحزب؛ ما دفع الرجل الثالث في البرلمان التصريح بأن هناك مؤامرة تحاك تقودها شخصيات بارزة في الدولة للإطاحة به.

وفي خطوة جريئة رفع نواب البرلمان من حدة ضغطهم منذ أيام حيث يقوم قاموا بغلق أبواب المجلس الشعبي الوطني بالسلاسل الحديدية في وجه السعيد بوحجة في خطوة لم يسبق أن عاشتها المؤسسة الدستورية الجزائرية، ويصر النواب على عدم وصول رئيسهم إلى مكتبه لمزاولة مهامه حتى إيجاد ثغرة قانونية لعزلة.

سيناريوهات حل الأزمة

1- حل البرلمان الجزائري

أمام هذا الانسداد الحاصل في البرلمان الجزائري تعالت أصوات من جانب المعارضة وبعض الموالاة إلى حل البرلمان الجزائري كحل جذري لهذه الأزمة ومطالبين بتفعي المادة 147 من الدستور الجزائري التي تدعوا لحل رئيس الجمهورية المجلس الشعبي الوطني وإجراء انتخابات تشريعية جديدة في أجل يقدر بثلاثة أشهر، غير أن هذا الرأي لا يلقى تأييدًا كبيرًا في أواسط النخب الجزائرية نظرًا للتبعات المالية الكبيرة التي سيفرزها هذا الحل.

3 – لملمة الموضوع والجلوس في طاولة حوار

تسعى العديد من النخب السياسية في الجزائر من بينها أحزاب موالاة ومعارضة إلى إيجاد مخرج يرضي جميع الأطراف عبر الجلوس على طاولة مفاوضات لإيجاد خارطة طريق وحل موضوع البرلمان بطرق حوارية، وهو ما يرفضه النواب لحد الآن معتبرين أن قرارهم لا رجعة فيه.

2 – انهيار بوحجة وانسحابه

أمام الضغط البياني والإعلامي الذي يواجهه، يرى مراقبون للوضع في الجزائر أن هناك احتمال انهيار بوحجة وتقديمه للاستقالة، وهذا لصالح استقرار الوطن على اعتبار أن البلاد ستشهد انتخابات رئاسية بعد أشهر قليلة، غير أن الملاحظ لسيرورة هذه الأزمة يعرف أن السعيد بوحجة ينتظر قرارًا من رئاسة الجمهورية لتقديم استقالته، وهو الأمر الذي لن تقدم عليه السلطة الجزائرية، والذي يعتبر خرقًا واضحًا لقوانين الجمهورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد