كثير من الدارسين وحتى علماء السياسة، يوعزون الصراع الجاري في اليمن، برمي اللوم على الموجة الأولى من الثورات العربية عام 2011 أو كما تسمى بالربيع العربي باعتبارها على حد وصفهم «مُحركًا» للحروب الأهلية. ولكن لمتتبع تاريخ ومسيرة اليمن المُعاصرة منذ نحوِ قرن، وتحديدًا العام 1918، يرى بأن الدولة اليمنية اقترنت بالتأزم السياسي والتدخل الخارجي والاقتتال الداخلي طيلة الـ100 عام الماضية؛ فالسعودية مثلًا أدت دورًا هامًا في عرقلة استقرار اليمن منذ بدايات تدخلها عام 1934؛ بافتعالها حربًا مع الدولة اليمنية الشمالية توجت باقتطاعها أراضي يمنية للدولة السعودية بموافقة الإمام اليمني يحيى حميد الدين.

ثم تابعت تدخلاتها في العديد من المنعطفات التاريخية اليمنية كدعمها للملكيين في الحرب الأهلية التي أعقبت الثورة ضد حكم الإمامة (الشيعية) عام 1962، في مقابل دعم مصر الناصرية للجمهوريين؛ إذا لم تنتهِ مغامرات جمال عبد الناصر إلا بهزيمة يونيو (حزيران) 1967 وخروج قواته من اليمن تاركًا وراءه بيئة سياسية خصبة للعنف والاقتتال والفوضى تُرجمت بحروب أهلية في الأعوام (1972 – 1979)، وسلسلة من الاضطرابات والاغتيالات طالت ثلاثة رؤساء في أقل من عامين (1977 – 1979).

رجوعًا للسعودية؛ فإن دورها لم ينتهِ طيلة السنوات التالية للوحدة اليمنية عام 1990؛ فتارةً تدعم أحد أطراف الحرب كحرب 1994، وتارةً تنقلب على حليفها، لمصالحها وأهوائها في تعبيرها «اليمن الخاصرة الرخوة». ولذلك كان حريًا بأمراء الخليج العربي، إدماج اليمن ضمن المنظومة الدفاعية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ كون اليمن جزءًا أصيلًا في التكوين الجغرافي والتاريخي والبشري لشبه الجزيرة العربية.

برز في المشهد اليمني لاعب محلي مُمثل بجماعة الحوثي (الشيعية) صاحبة شعار» الموت لأمريكا «بالرغم من أن جُل من قتلتهم كانوا يمنيين! ورأت في النظام اليمني خصمًا وعدوًا، خاضت معه ست حروب في الفترة السابقة لثورة فبراير(2004-2010) وبات اليمن أشبه بدولة فاشلة تواجه ثلاث تحديات (التمرد الحوثي، حركة انفصالية جنوبية، تنظيم القاعدة).

وباندلاع موجة الانتفاضات العربية عام 2011، لم يكن اليمن بعيدًا عن الحُلم في التخلص من الاستبداد. وتجدر الإشارة إلى أن مسار الثورة منذ فبراير (شباط) 2011 وحتى سقوط علي عبد الله صالح في مارس (أذار) 2012، لم يشهد صراعًا مسلحًا؛ وإنما كانت مظاهرات سلمية شبابية، بالرغم من سقوط عدد من الشهداء.

ومع تنامي ظاهرة الثورات المضادة، مصر نموذجًا، كانت اليمن على موعد مع انقلاب الحركة الحوثية وسقوط العاصمة صنعاء بيدها في سبتمبر (أيلول) 2014، في ظل بروز المشروع الإيراني في المنطقة وتدخل طهران في الأزمة السورية وإجهاض الثورة هناك.

وبذلك وجدت الرياض الفرصة التاريخية لإعادة تدخلها في الأزمة اليمنية بحشدها تحالف من بعض الدول العربية بناءً على طلب الرئيس اليمني هادي في مارس 2015 عبر ما يعرف «بعاصفة الحزم» وتاليًا «إعادة الأمل».

ومما يؤكد دعم إيران للحوثي، وتمرير أجنداتها، من خلال أذرعها، أن تحالفًا مكونًا من عشرة دول يواجه جماعة الحوثي! وبات اليمن يواجه عدوين: التحالف بقيادة الرياض، والحوثيين المدعومين إيرانيًا.

ويعاني اليمن من مارس 2015 وحتى تاريخه صراعًا محتدمًا أعاد اليمن إلى ما قبل التاريخ في ظل منع وصول المساعدات الإنسانية والدمار الواسع والمجاعات والكوارث الإنسانية.

إن من يتحمل تكلفة الحرب أولًا هي الحركة الحوثية والتي حالت دون تحقيق برامج الثورة بحركتها الانقلابية. وثانيًا التحالف بقيادة الرياض والذي عقّد المشهد اليمني بالجرائم والتدمير.

ولذلك بات على العرب مقاومة المشروعين السعودي والإيراني؛ لأن البديل عن ذلك هو المزيد من إجهاض الإرادات الشعبية أو تحول المنطقة العربية إلى ولايات فارسية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أزمة, اليمن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد