تمر البلاد العربية ولا سيما الثائرة منها بأحداث وخيمة، وتقلبات اقتصادية صعبة، وتغيرات في الشكل والكيان، هذه البلاد التي حاولت أن تثور يومًا ما من أجل كرامتها، وتحقيقًا للعدالة والمساواة بعد أن عاشت عشرات السنين في ظلم واستبداد، بلاد قررت النهوض من ركام التخلف والالتحاق بركب الأمم المتقدمة. ولكن، هذه الأحلام الجميلة والتخيلات الواسعة ما لبثت أن حُكم عليها بالفناء وانتهت، ودخلت هذه البلاد في صراعات داخلية وخارجية، وعاشت شعوبها حالةً من التيه في الأرض.

والحقيقة أن الأزمات التي تحياها البلاد العربية ما هي إلا مرحلة طبيعية؛ لأنها تخرج من رحم الألم والمعناة إلى الكون المليء بالحرية والعدل، وكأن الأمة تولد من جديد، ولكي تتم هذه العملية بنجاح لا بد أن تتحمل ألم المخاض، فالجزاء على قدر المشقة.

وفي خضم تلك الأحداث، يتسارع مرجفون الأمة إلى تأويل ما يحدث وفق عقولهم، وإن شئت فقل وفق هواهم، أولئك يرون أن ما يحدث لبلادنا هو رد فعل طبيعي لتمرد الشعوب على حكامها، وتطلعهم إلى ما هو أعلى منهم، إذ كيف تسمح تلك الشعوب لنفسها أن تطالب بالحرية والعدالة والمساواة، وكيف تتجرأ على حكامها بأنهم ظالمون؟ أولم يكف الشعوب أن هؤلاء الحكام يتحملونهم ويتحملون إرثهم من فساد وتخلف؟ وكأن الشعوب هي السبب!

هؤلاء المرجفون يُحمّلون مسؤولية ما آلت اليه الأمور والأحداث إلى شعوبنا، بل ارتضاءً لضمائرهم المُنتكسة يؤصلون لهذه الأفكار الخبيثة تأصيلًا شرعيًّا، فتجد أحدهم يُبرهن على صدق قوله بالحديث الشائع «كما تكونوا يُولَّى عليكم» حتى يلقي باللوم كله على الشعوب، وحتى تشعر بالذنب فلا تعود ثائرة مرة أخرى، والحقيقة أن الحديث ضعيف على أحسن أحواله وقد يكون موضوعًا، فقد ضعفه الحافظ بن حجر من القدامى والألباني من المعاصرين.

والتاريخ يؤكد عدم صحة معنى الحديث، فكم يشهد التاريخ على تولي حاكم صالح بعد حاكم ظالم والشعب هو هو لم يتغير، ولكن الحق هو ما قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» وما تعارف عليه الناس قديمًا «الناس على دين ملوكهم».

إلى أصحاب هذه الألسنة، أن اسكتوا. لا نريد سماع أصواتكم، كفاكم ذلًا وخنوعًا، أولم يكفيكم شرعنة السلطة للحاكم المستبد المجرم، ثم إذا حاولت الشعوب القيام بالفريضة الغائبة، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تلتقطونهم بألسنتكم الحداد وتسمعونهم ما يثنيهم ويقعدهم عن هذه الشعيرة العظيمة.

إن مسؤولية ما يحدث في بلادنا يتحمله في المقام الأول هؤلاء الحكام المستبدون، الذين لا يريدون النهوض عن عروشهم إلا من أجل قضاء الحاجة وفقط، لا يتركون مناصبهم حتى وإن كانت دماء شعوبهم وأعمار الشباب هي الثمن، ثم يأتي في المقام الثاني أولئك المرجفون الذين يتفننون في لي عنق النصوص لشرعنة السلطة المستبدة، مستغلين تعاطف الناس وقله وعيهم وإدراكهم لطبيعة الصراع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد