هل تحيد الجزائر عن المفارقة؟

كثيرًا ما تشهد البطولات الرياضية الدولية تتويج منتخبات تعيش بلدانها أزمات مختلفة، سياسية، ورياضية، وحتى حروب. ليبقى ذلك الإنجاز راسخًا في أذهان الجماهير، وصامدًا مستعصيًا لعقود، يصعب تكراره إلا نادرًا، أو قل إذا عادت الأزمة من جديد لذلك البلد.

شواهد كثيرة من مختلف القارات

المتابع للشأن الرياضي يمكنه إدراك المفارقة بين انتصارات كرة القدم والأزمات السياسية، والشواهد على ذلك كثيرة، فلإيطاليا حصة الأسد من هذه المفارقة، بداية من 1934 حين كانت تحت حكم الديكتاتور موسوليني، إذ جاء تتويجها بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخها، جرت المباريات تحت أعين الديكتاتور وتحت وعيده للاعبين إنْ ضيعوا الكأس، نجا اللاعبون بأعجوبة بعد أن حققوا اللقب، وخاضوا مباريات تعد الأكثر عنفًا في تاريخ البطولة. عادت إيطاليا لتحقيق اللقب العالمي عام 1982بعد أزمة رياضية انتقلت إلى مقاعد البرلمان الإيطالي، الذي تدخل من أجل اللاعب باولو روسي القابع في السجن، إذ أطلق سراحه بعدها وقاد إيطاليا للقبها الثاني، كما فازت الأرجنتين بكأس العالم الأولى عام 1978 في ظل حكم الديكتاتور رفائيل فيديلا، إذ تزامن مع أزمة سياسية خانقة، حين تضامن العديد من الرياضين مع الشعب الأرجنتيني الذي انتهكت حقوقه، في حين فضل الأسطورة الهولندية يوهان كرويف عدم المشاركة مع منتخب بلاده خوفًا من الاختطاف في ظل أوضاع مأساوية هناك.

للعرب نصيب من المفارقة

كان النظام السياسي في العراق قد سقط في 2003 بعد التدخل الأمريكي، ما عكر صفو حياة العراقيين، ونغص معيشتهم، إلا أن ممارستهم لكرة القدم استمرت، ففي بطولة آسيا للأمم عام 2007، التي نظمت بشراكة أربعة بلدان – فيتنام، تايلاند، إندونيسيا، وماليزيا- فاز العراق الذي كان تحت نير الحرب العدوانية بالكأس الوحيدة في مشواره، بعد تغلبه على السعودية بهدف دون مقابل. في أفريقيا كما آسيا الأمر سيان. كان للمنتخب النيجيري التتويج الأول عام 1980 على حساب المنتخب الجزائري، في ظل أزمة سياسية كانت تعيشها نيجيريا آنذاك.

الجزائر: فريق جبهة التحرير ومنتخب 1990 أزمتان وانتصاران

إبان حرب التحرير الجزائرية تشكل فريق من اللاعبين الجزائريين في فرنسا، ينشط جلهم في البطولة الفرنسية، شاركوا مع المنتخب الفرنسي في المباريات المؤهلة لمونديال السويد عام 1958، إلا أن مشاركة رفقاء زيتوني، ومخلوفي، ودحلب مع المنتخب الفرنسي الذي سيلعب مونديال السويد، اصطدم برغبة أخرى لهؤلاء اللاعبين الذين فضلوا الفرار من الأراضي الفرنسية، والالتحاق بالنضال في صفوف جبهة التحرير الوطني. بقيت هذه الحادثة تمثل انتصارًا سياسيًّا لفريق رياضي ما زال يفخر به الجزائريون إلى الآن. أما كرويًّا، ومع اندلاع ثورة الجزائريين السلمية عام 1988، كان المنتخب الجزائري يعيش أفضل أيامه الكروية، وهو ما وضعه تحت ضغط لإفراح الجزائريين. مع تداعي الأحداث السياسية في البلاد تمكنت الجزائر من تحقيق اللقب الأفريقي في ظل أزمة سياسية خانقة، ظفر المنتخب حينها بالتاج الأفريقي الوحيد عام 1990. تزامن هذا التتويج مع وصول الأندية الجزائرية إلى ثلاث نهائيات أفريقية متتالية، في رابطة الأبطال، وفاق سطيف 1988، مولودية وهران 1989، شبيبة القبائل 1990، نالت هذه الأندية لقبين من ثلاثة.

2019 حراك شعبي بمطالب سياسية وتتويج رياضي

كل التكهنات والتوقعات كانت تزيح المنتخب الجزائري من لعب أي دور في بطولة أمم أفريقيا المقامة في مصر، إلا أن أشبال بلماضي كان لهم رأي آخر، إذ كان اللاعبون في تناغم مع المطالب الشعبية الرافضة للنظام السياسي، فمع توالي تنازلات النظام، وسقوط أغلب أوراقه في الماء، كانت انتصارات محرز ورفاقه المدوية تتوالى من أرض الكنانة؛ ليبقى النهائي الذي لعبته الجزائر مع السنغال باصمًا على همة وكفاح أوصلا محاربي الصحراء إلى منصة البطل في زمن الأزمة، مع اكتمال المشهد بالتتويج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد